العودة   -*™£ منتدى آل شراحيل بفيفاء£™*- > «۩۞۩- الــأقــســام الــإســــــــــلامــــــــية -۩۞۩» > 【 مـنـتـدى الأفكار الدعـوية 】
【 مـنـتـدى الأفكار الدعـوية 】 يختص بجميع مواضيع الدعوة الى الدين الاسلامي

الملاحظات

الإهداءات


تقريب التدمرية محمد بن صالح العثيمين

【 مـنـتـدى الأفكار الدعـوية 】


إضافة رد
قديم 04-06-2014, 02:23 PM   #1
مجلس الادارة


الصورة الرمزية ام ياسر
ام ياسر غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1878
 تاريخ التسجيل :  Jun 2012
 أخر زيارة : 11-18-2019 (05:25 PM)
 المشاركات : 53,862 [ + ]
 التقييم :  637
 SMS ~
اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أَنْ تَجْعَلَنِي فِي حِرْزِكَ وَحِفْظِكَ وَجِوَارِكَ وَتَحْتِ كَنَفِك.
 اوسمتي
المراقبة المميزة .  مراقبة القسم المميز  أوفياء المنتدى  وسام العطاء 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي تقريب التدمرية محمد بن صالح العثيمين



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تقريب التدمرية محمد بن صالح العثيمين



مجموع فتاوى و رسائل - 4
تقريب التدمرية
محمد بن صالح العثيمين


بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله تعالى: بالهدى، ودين الحق، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وترك أمته على محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه، وأئمة الهدى من بعدهم، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيّن للناس ما نزل إليهم من ربهم بياناً كاملاً شاملاً في دقيق أمورهم، وجليلها، وظاهرها، وخفيها حتى علمهم ما يحتاجون إليه في مآكلهم، ومشاربهم، ومناكحهم، وملابسهم، ومساكنهم فعلمهم آداب الأكل، والشرب، والتخلي منهما، وآداب النكاح، واللباس ودخول المنزل، والخروج منه، كما علمهم ما يحتاجون إليه في عبادة الله عز وجل كالطهارة والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج وغير ذلك.

وما يحتاجون إليه في معاملة الخلق من بر الوالدين، وصلة الأرحام وحسن الصحبة والجوار وغير ذلك.

وعلمهم كيف يتعاملون بينهم في البيع، والشراء، والرهن، والارتهان والتأجير، والاستئجار، والهبة، والاتهاب وغير ذلك. حتى قال أبو ذر رضي الله عنه: " لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً ".

وفي صحيح مسلم عن سلمان رضي الله عنه أنه قيل له:قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟ قال: "أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول.."، وذكر تمام الحديث، هذا فضلاً عن أسس هذه العبادات، والأخلاق والمعاملات، وهو ما يعتقده العباد في إلههم ومعبودهم في ذاته، وأسمائه، وصفاته وأفعاله، وما ينشأ عن ذلك من أحكامه الكونية والشرعية المبنية على بالغ الحكمة، وغاية الرحمة فأخذ عنه ذلك الصحابة معيناً صافياً نقياً مبنياً على التوحيد الكامل المتضمن لركنين أساسيين: نفي، وإثبات.

فأما الإثبات فهو: إثبات ما يجب لله تعالى: من الربوبية، والألوهية والأسماء والصفات، والأفعال.

وأما النفي فهو: نفي مشاركة غير الله تعالى: لله فيما يجب له.

ومضى عليه التابعون لهم بإحسان ممن أدركوا زمن الصحابة أو جاؤوا بعدهم من أئمة الهدى المستحقين لرضا الله عز وجل حيث يقول الله تعالى: ) والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم ( (1). ثم خلف خلوف عموا عن الحق أو تعاموا عنه فضلوا، وأضلوا قصوراً أو تقصيراً، أو عدواناً وظلماً، فأحدثوا في دين الله تعالى: ما ليس منه في العقيدة، والعبادة، والسلوك، وحرفوا من أجل ذلك نصوص الكتاب والسنة، أو كذبوها إن أمكنهم ذلك.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: واعلم أن عامة البدع المتعلقة بالعلوم والعبادات إنما وقع في الأمة في أواخر خلافة الخلفاء الراشدين كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: " ومن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي " إلى أن قال: فلما ذهبت دولة الخلفاء الراشدين، وصار ملكاً ظهر النقص في الأمراء فلا بُدَّ أن يظهر أيضاً في أهل العلم والدين فحدث في آخر خلافة علي رضي الله عنه بدعتا الخوارج والرافضة إذ هي متعلقة بالإمامة والخلافة وتوابع ذلك من الأعمال والأحكام الشرعية.

وكان ملك معاوية ملكاً ورحمة، فلما ذهب وجاءت إمارة يزيد وجرت فيها فتنة قتل الحسين بالعراق، وفتنة أهل الحرة بالمدينة وحصروا مكة لما قام عبد الله بن الزبير، ثم مات يزيد وتفرقت الأمة: ابن الزبير بالحجاز، وبنو الحكم بالشام، ووثب المختاربن أبي عبيد وغيره بالعراق وذلك في أواخر عصر الصحابة وقد بقي فيهم مثل عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري وغيرهم حدثت بدعة القدرية والمرجئة، فردها بقايا الصحابة... مع ما كانوا يردونه هم وغيرهم من بدعة الخوارج والروافض.

وعامة ما كانت القدرية إذ ذاك يتكلمون فيه أعمال العباد، كما يتكلم فيها المرجئة فصار كلامهم في الطاعة والمعصية، والمؤمن والفاسق، ونحو ذلك من مسائل الأسماء والأحكام والوعد والوعيد، ولم يتكلموا بعد في ربهم، ولا في صفاته إلا في أواخر عصر صغار التابعين من حين أواخر الدولة الأموية حين شرع القرن الثالث تابعو التابعين ينقرض أكثرهم.

فإن الاعتبار بالقرون الثلاثة بجمهور أهل القرن وهم وسطه. وجمهور الصحابة انقرضوا بانقراض خلافة الخلفاء الأربعة حتى إنه لم يكن بقي من أهل بدر إلا نفر قليل. وجمهور التابعين بإحسان انقرضوا في أواخر عصر أصاغر الصحابة في إمارة ابن الزبير وعبد الملك. وجمهور تابعي التابعين في أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية وصار في ولاة الأمور كثير من الأعاجم وخرج كثير من الأمور عن ولاية العرب وعُرِّبت بعض الكتب العجمية من كتب الفرس، والهند، والروم وظهر ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: " ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد ويحلف ولا يستحلف".

حدث ثلاثة أشياء: الرأي، والكلام، والتصوّف.

وحدث التجهم وهو نفي الصفات وبإزائه التمثيل إلى أن قال :فإن معرفة أصول الأشياء ومبادئها ومعرفة الدين وأصله، وأصل ما تولد فيه من أعظم العلوم نفعاً إذ المرء مالم يحط علماً بحقائق الأشياء التي يحتاج إليها يبقى في قلبه حسكة أهـ (1).

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: بدعة القدر أدركت آخر عصر الصحابة فأنكرها من كان منهم حياً كعبد الله بن عمر، وابن عباس وأمثالهما رضي الله عنهم ثم حدثت بدعة الإرجاء بعد انقراض عصر الصحابة فتكلم فيها كبار التابعين الذين أدركوها، ثم حدثت بدعة التجهم بعد انقراض عصر التابعين واستفحل أمرها واستطار شرها في زمن الأئمة كالإمام أحمد وذويه، ثم حدثت بعد ذلك بدعة الحلول وظهر أمرها في زمن الحسين الحلاج، وكلما أظهر الشيطان بدعة من هذه البدع وغيرها أقام الله لها من حزبه وجنده من يردها ويحذر المسلمين منها نصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله ولأهل الإسلام أ هـ (2).

وقال ابن حجر رحمه الله في شرح البخاري: فمما حدث تدوين الحديث، ثم تفسير القرآن، ثم تدوين المسائل الفقهية المولدة من الرأي المحض، ثم تدوين ما يتعلق بأعمال القلوب.

فأما الأول فأنكره عمر وأبو موسى وطائفة ورخص فيه الأكثرون.

وأما الثاني: فأنكره جماعة من التابعين كالشعبي.

وأما الثالث: فأنكره الإمام أحمد وطائفة يسيرة وكذا اشتد إنكار أحمد للذي بعده.

ومما حدث أيضاً تدوين القول في أصول الديانات فتصدى لها المثبتة والنفاة فبالغ الأول حتى شبه، وبالغ الثاني حتى عطل واشتد إنكار السلف لذلك كأبي حنيفة، وأبي يوسف، والشافعي وكلامهم في ذم أهل الكلام مشهور. وسببه أنهم تكلموا فيما سكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وثبت عن مالك أنه لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر شيء من الأهواء يعني بدع الخوارج، والروافض، والقدرية، وقد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان وجعلوا كلام الفلاسفة أصلاً يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل ولو مستكرهاً، ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف واجتنب ما أحدثه الخلف وإن لم يكن له منه بد فليكتف منه بقدر الحاجة ويجعل الأول المقصود بالأصالة. أ هـ(1).

ولما كان من حكمة الله البالغة أن يجعل للحق معارضين يتبين بمعارضتهم صواب الحق وظهوره على الباطل فإن خالص الذهب لا يظهر إلا بعرضه على النار، قيض الله جل وعلا بقدرته التامة ولطفه الواسع وقهره الغالب من يدحض حجج هؤلاء المعارضين ويبين زيف شبههم وأنها كما قيل:

حجج تهافت كالزجاج تخالها حقًّا وكل كاسر مكسور

وقال الإمام أحمد رحمه الله في خطبة كتاب " الرد على الجهمية: " الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب مجمعون على مخالفة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون الجهال بما يشبهون عليهم فنعود بالله من فتن المضلين. أهـ(2).

وكان من جملة من قيضهم الله تعالى: لنصرة دينه والذب عنه باللسان والبنان والسنان شيخ الإسلام: أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية المولود في حران يوم الاثنين العاشر من شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، المتوفى محبوساً ظلماً في قلعة دمشق ليلة الاثنين الموافق العشرين من شهر ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة وصلي عليه في الجامع الأموي بعد صلاة الظهر ولم يتم دفنه لكثرة الزحام إلا قبل العصر بيسير، رحمه الله تعالى: رحمة واسعة، وجمعنا به مع من أنعم الله عليهم في جنات النعيم.

ولقد كان له رحمه الله مصنفات كثيرة في مجادلة أهل البدع ومجالدة أفكارهم ما بين مطولة ومتوسطة وقليلة وحصل بذلك نفع كبير أشار ابن القيم رحمه الله إلى شيء منها في النونية حيث قال:

وإذا أردت ترى مصارع من خلا من أمة التعطيل والكفران

إلى أن قال:

فاقرأ تصانيف الإمام حقيقة شيخ الوجود العالم الرباني

أعني أبا العباس أحمد ذلك الـ بـحر المحيط بسائر الخلجان

واقرأ كتاب العقل والنقل الذي ما في الوجود له نظير ثان

وكذاك منهاج له في رده قول الروافض شيعة الشيطان

ثم ذكر عدة من كتبه ورسائله وقال:

هي في الورى مبثوثة معلومة تبتاع بالغالي من الأثمان

إلى أن قال:

وله المقامات الشهيرة في الورى قد قامها لله غير جبان

نصر الإله ودينه وكتابه ورسوله بالسيف والبرهان

أبدى فضائحهم وبين جهلهم وأرى تناقضهم بكل زمان

إلى أن قال:

ومن العجائب أنه بسلاحهم أرداهم تحت الحضيض الداني

كانت نواصينا بأيديهم فما منا لهم إلا أسير عانِ

فغدت نواصيهم بأيدينا فما يلقوننا إلا بحبل أمان

وغدت ملوكهم مماليكاً لأنـ ـصار الرسول بمنة الرحمن(1)

وكان من جملة رسائل الشيخ رحمه الله رسالة: " تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع " المعروفة باسم:



التدمرية

والظاهر أن هذه الرسالة ضمن أجوبة أجاب بها الشيخ أهل تدمر(2) وكانت هذه الرسالة من أحسن وأجمع ما كتبه في موضوعها على اختصارها ومن أجل ذلك فإني أستعين الله عز وجل في لم شعثها وجمع شملها وتقريب معانيها لقارئها مع زيادة ما تدعو الحاجة إليه وحذف ما يمكن الاستغناء عنه على وجه لا يخل بالمقصود(3). وسميته:



" تقريب التدمرية"

وأسال الله تعالى: أن يجعل عملي خالصاً لوجهه موافقاً لمرضاته نافعاً لعباده إنه جواد كريم.

بيان سبب تأليف هذه الرسالة

بين المؤلف سبب تأليف هذه الرسالة بقوله:

أما بعد: فقد سألني من تعينت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه مني في بعض المجالس من الكلام في التوحيد والصفات، وفي الشرع والقدر.

ثم علل وجوب إجابتهم بأمرين:

أحدهما: مسيس الحاجة إلى تحقيق هذين الأصلين لأنه لابد أن يخطر على القلب في هذين الأصلين ما يحتاج معه إلى بيان الهدى من الضلال، والحق من الباطل.

الثاني: كثرة اضطراب أقوال الناس فيهما، والخوض فيهما بالحق تارة وبالباطل تارات فيلتبس الحق بالباطل على كثير من الناس، ومن ثم احتيج إلى البيان.



الكلام في التوحيد والصفات

وفي الشرع والقدر

الكلام في التوحيد والصفات من باب الخبر، الدائر بين النفي والإثبات من قبل المتكلم، المقابل بالتصديق أو التكذيب من قبل المخاطب لأنه خبر عما يجب لله تعالى: من التوحيد وكمال الصفات، وعما يستحيل عليه من الشرك والنقص ومماثلة المخلوقات.

مثال ذلك قوله تعالى: ] الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم [ (1). ففي قوله: ]لا إله إلا هو [ إثبات التوحيد، وفي قوله : ] الحي القيوم [ إثبات كمال الصفات، وفي قوله : ] لا تأخذه سنة ولا نوم [ نفي النقائص عن الله المتضمن لإثبات الكمالات.

وأما الكلام في الشرع والقدر فهو من باب الطلب، الدائر بين الأمر والنهي من قبل المتكلم، المقابل بالطاعة أو المعصية من قبل المخاطب، لأن المطلوب إما محبوب لله ورسوله فيكون مأموراً به، وإما مكروه لله ورسوله فيكون منهياً عنه.

مثال ذلك قوله تعالى: ] واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً [ (2)ففي قوله : ] اعبدوا الله [ الأمر بعبادة الله، وفي قوله : ] ولا تشركوا به شيئاً [ النهي عن الإشراك به.

والفرق بين الخبر والطلب في حقيقتيهما وحكمهما معلوم، فالواجب على العباد إزاء خبر الله ورسوله: التصديق والإيمان به على ما أراد الله ورسوله تصديقاً لا تكذيب معه، وإيماناً لا كفر معه، ويقيناً لا شك معه لقوله تعالى: ] يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً [ (1).

والواجب على العباد إزاء الطلب: امتثاله على الوجه الذي أراد الله ورسوله من غير غلو ولا تقصير، فيقومون بالمأمور ويجتنبون المحظور لقوله تعالى: ] يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون . ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون . إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون . ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون [ (2).

فصل

إذا تبين ذلك فهاهنا أصلان:

الأصل الأول في الصفات وهو: أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل كما جمع الله تعالى: بينهما في قوله: ] ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [ (3).

فقوله : ] ليس كمثله شيء [ نفي متضمن لكمال صفاته مبطل لمنهج أهل التمثيل ، وقوله: ]وهو السميع البصير [ إثبات لأسمائه وصفاته وإبطال لمنهج أهل التحريف والتعطيل، فنثبت ما أثبته الله لنفسه وننفي ما نفى الله عن نفسه من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل. وهذا هو المنهج السليم الواجب المبني على العلم والحكمة والسداد في القول والاعتقاد وله دليلان أثري ونظري، وإن شئت فقل : سمعي وعقلي:

أما الأثري السمعي فمنه قوله تعالى: ] ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون [ (4).

وقوله: ] ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [ (5)وقوله: ] فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون [ (6)وقوله: ] ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً[ (7).

وأما النظري العقلي فلأن القول في أسماء الله وصفاته من باب الخبر المحض الذي لا يمكن للعقل إدراك تفاصيله فوجب الوقوف فيه على ما جاء به السمع.





فصل

والجمع بين النفي والإثبات في باب الصفات هو حقيقة التوحيد فيه وذلك لأن التوحيد مصدر وَحَّد يوحد. ولا يمكن صدق حقيقته إلا بنفي وإثبات، لأن الاقتصار على النفي المحض تعطيل محض. والاقتصار على الإثبات المحض لا يمنع المشاركة.

مثال ذلك: لو قلت: ما زيد بشجاع فقد نفيت عنه صفة الشجاعة وعطلته منها.

ولو قلت: زيد شجاع فقد أثبت له صفة الشجاعة لكن ذلك لا يمنع أن يكون غيره شجاعاً أيضاً.

ولو قلت: لا شجاع إلا زيد فقد أثبت له صفة الشجاعة، ونفيت أن يشاركه غيره فيها فكنت موحداً له في صفة الشجاعة.

إذاً لا يمكن توحيد أحد بشيء إلا بالجمع بين النفي والإثبات.

واعلم أن الصفات الثبوتية التي وصف الله بها نفسه كلها صفات كمال، والغالب فيها التفصيل، لأنه كلما كثر الإخبار عنها وتنوعت دلالتها ظهر من كمال الموصوف بها ما لم يكن معلوماً من قبل، ولهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر من الصفات المنفية التي نفاها الله عن نفسه.

وأما الصفات المنفية التي نفاها الله عن نفسه فكلها صفات نقص ولا تليق به كالعجز، والتعب، والظلم، ومماثلة المخلوقين، والغالب فيها الإجمال لأن ذلك أبلغ في تعظيم الموصوف وأكمل في التنزيه فإن تفصيلها لغير سبب يقتضيه فيه سخرية وتنقص في الموصوف.

ألا ترى أنك لو مدحت ملكاً فقلت له: أنت كريم، شجاع محنك، قوي الحكم، قاهر لأعدائك إلى غير ذلك من صفات المدح لكان هذا من أعظم الثناء عليه، وكان فيه من زيادة مدحه وإظهار محاسنه ما يجعله محبوباً محترماً لأنك فصلت في الإثبات.

ولو قلت: أنت ملك لا يساميك أحد من ملوك الدنيا في عصرك لكان ذلك مدحاً بالغاً لأنك أجملت في النفي.

ولو قلت: أنت ملك غير بخيل، ولا جبان، ولا فقير، ولا بقال، ولا كناس ولا بيطار، ولا حجام، وما أشبه ذلك من التفصيل في نفي العيوب التي لا تليق به لعُد ذلك استهزاءً به وتنقصاً لحقه.

وقد يأتي الإجمال في أسماء الله تعالى: وصفاته الثبوتية كقوله تعالى: في الأسماء: ] ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها [ (1) وقوله في الصفات: ] ولله المثل الأعلى[ (2). أي الوصف الأعلى .

وقد يأتي التفصيل في الصفات المنفية لأسباب منها:

1. نفي ما ادعاه في حقه الكاذبون المفترون كقوله تعالى: ] ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله [ (3).

2. دفع توهم نقص في كماله كقوله تعالى: ] ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب [ (4).

3. بيان عموم كماله في قوله تعالى: ] ليس كمثله شيء [ ] ولم يكن له كفواً أحد [.



أمثلة التفصيل في الإثبات والإجمال في النفي

الأمثلة على التفصيل في الإثبات كثيرة جداً فمنها:

قوله تعالى: في سورة الحشر الآية: 22 هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة( . إلى آخر السورة فقد تضمنت هذه الآيات أكثر من خمسة عشر اسماً، وكل اسم منها قد تضمن صفة، أو صفتين، أو أكثر.

وكقوله تعالى: في سورة الحج الآية: 59: ) ليدخلنهم مدخلاً يرضونه وإن الله لعليم حليم(. إلى قوله: ) إن الله بالناس لرؤف رحيم(. فهذه سبع آيات متوالية ختمت كل آية منها باسمين من أسماء الله عز وجل وكل اسم منها متضمن لصفة، أو صفتين، أو أكثر.

وأما أمثلة الإجمال في النفي فمنها قوله تعالى: ) ليس كمثله شيء ((5) وقوله تعالى: )هل تعلم له سمياً( (6). وقوله: ) ولم يكن له كفواً أحد ((7).



فصل

واعلم أن الاشتراك في الأسماء والصفات لا يستلزم تماثل المسميات والموصوفات، كما دل على ذلك السمع، والعقل، والحس.

أما السمع:فقد قال الله عن نفسه إن الله نعمّا يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً((1) وقال عن الإنسان: )إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً((2) . ونفى أن يكون السميع كالسميع والبصير كالبصير فقال: ) ليس كمثله شيء وهو السميع البصير( (3). وأثبت لنفسه علماً وللإنسان علماً فقال عن نفسه: ) علم الله أنكم ستذكرونهن ( (4). وقال عن الإنسان: ) فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ( (5). وليس علم الإنسان كعلم الله تعالى: فقد قال الله عن علمه: ) وسع كل شيء علماً ( (6). وقال: ) إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء( (7). وقال عن علم الإنسان: ) وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً( (8).

وأما العقل: فمن المعلوم بالعقل أن المعاني والأوصاف تتقيد وتتميز بحسب ما تضاف إليه، فكما أن الأشياء مختلفة في ذواتها فإنها كذلك مختلفة في صفاتها وفي المعاني المضافة إليها ، فإن صفة كل موصوف تناسبه لا يفهم منها ما يقصر عن موصوفها أو يتجاوزه، ولهذا نصف الإنسان باللين والحديد المنصهر باللين، ونعلم أن اللين متفاوت المعنى بحسب ما أضيف إليه.

وأما الحس: فإننا نشاهد للفيل جسماً وقدماً وقوة، وللبعوضة جسماً وقدماً وقوة، ونعلم الفرق بين جسميهما، وقدميهما، وقوتيهما.

فإذا علم أن الاشتراك في الاسم والصفة في المخلوقات لا يستلزم التماثل في الحقيقة مع كون كل منها مخلوقاً ممكناً، فانتفاء التلازم في ذلك بين الخالق والمخلوق أولى، وأجلى، بل التماثل في ذلك بين الخالق والمخلوق ممتنع غاية الامتناع.



فصل

في الزائغين عن سبيل الرسل وأتباعهم

في أسماء الله وصفاته



الزائغون عن سبيل الرسل، وأتباعهم في أسماء الله وصفاته قسمان: ممثلة، ومعطلة.

وكل منهم غلا في جانب، وقصر في جانب، فالممثلة غلوا في جانب الإثبات وقصّروا في جانب النفي والمعطلة غلوا في جانب النفي، وقصروا في جانب الإثبات، فخرج كل منهم عن الاعتدال في الجانبين.

فالقسم الأول: الممثلة وطريقتهم أنهم أثبتوا لله الصفات على وجه يماثل صفات المخلوقين فقالوا: لله وجه، ويدان، وعينان، كوجوهنا، وأيدينا وأعيننا، ونحو ذلك.

وشبهتهم في ذلك أن الله تعالى: خاطبنا في القرآن بما نفهم ونعقل قالوا: ونحن لا نفهم، ولا نعقل إلا ما كان مشاهداً فإذا خاطبنا عن الغائب بشيء وجب حمله على المعلوم في الشاهد.

ومذهبهم باطل مردود بالسمع، والعقل، والحس.

أما السمع:فقد قال الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير( (1). وقال فلا تضربوا لله الأمثال ( (2). ففي الآية الأولى نفى أن يكون له مماثل مع إثبات السمع والبصر له.

وفي الثانية نهى أن تضرب له الأمثال فجمع في هاتين الآيتين بين النفي والنهي.

وأما العقل فدلالته على بطلان التمثيل من وجوه:

الأول: التباين بين الخالق والمخلوق في الذات والوجود، وهذا يستلزم التباين في الصفات، لأن صفة كل موصوف تليق به فالمعاني والأوصاف تتقيد وتتميز بحسب ما تضاف إليه.

الثاني: أن القول بالمماثلة بين الخالق والمخلوق يستلزم نقص الخالق سبحانه، لأن تمثيل الكامل بالناقص يجعله ناقصاً.

الثالث: أن القول بمماثلة الخالق للمخلوق يقتضي بطلان العبودية الحق، لأنه لا يخضع عاقل لأحد ويذل له على وجه التعظيم المطلق إلا أن يكون أعلى منه.

وأما الحس: فإننا نشاهد في المخلوقات ما تشترك أسماؤه وصفاته في اللفظ، وتتباين في الحقيقة فللفيل جسم وقوة وللبعوضة جسم وقوة، والتباين بين جسميهما وقوتيهما معلوم فإذا جاز هذا التباين بين المخلوقات كان جوازه بين الخالق والمخلوق من باب أولى ، بل التباين بين الخالق والمخلوق واجب والتماثل ممتنع غاية الامتناع.

وأما قولهم: إن الله تعالى: خاطبنا بما نعقل ونفهم فصحيح لقوله تعالى: ) إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون ( (1)وقوله: ) كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب( (2). وقوله : ) وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ( (3)ولولا أن الله أراد من عباده عقل وفهم ما جاءت به الرسل لكان لسان قومه ولسان غيرهم سواء، ولما حصل البيان الذي تقوم به الحجة على الخلق.

وأما قولهم: إذا خاطبنا عن الغائب بشيء وجب حمله على المعلوم في الشاهد فجوابه من وجهين:

أحدهما: أن ما أخبر الله به عن نفسه إنما أخبر به مضافاً إلى نفسه المقدسة فيكون لائقاً به لا مماثلاً لمخلوقاته، ولا يمكن لأحد أن يفهم منه المماثلة إلا من لم يعرف الله تعالى:، ولم يقدره حق قدره، ولم يعرف مدلول الخطاب الذي يقتضيه السياق.

الثاني: أنه لا يمكن أن تكون المماثلة مرادة لله تعالى: لأن المماثلة تستلزم نقص الخالق جل وعلا، واعتقاد نقص الخالق كفر وضلال، ولا يمكن أن يكون مراد الله تعالى: بكلامه الكفر والضلال كيف وقد قال:

) يبين الله لكم أن تضلوا ( (4). وقال: ) ولا يرضى لعباده الكفر ( (5).



فصل

والقسم الثاني(1): المعطلة وهم الذين أنكروا ما سمى الله تعالى: ووصف به نفسه إنكاراً كلياً، أو جزئياً، وحرفوا من أجل ذلك نصوص الكتاب والسنة فهم محرفون للنصوص، معطلون للصفات، وقد انقسم هؤلاء إلى أربع طوائف:

الطائفة الأولى: الأشاعرة ومن ضاهاهم من الماتريدية وغيرهم وطريقتهم أنهم أثبتوا لله الأسماء، وبعض الصفات، ونفوا حقائق أكثرها، وردوا ما يمكنهم رده من النصوص، وحرفوا مالا يمكنهم رده، وسموا ذلك التحريف " تأويلاً ".

فأثبتوا لله من الصفات سبع صفات: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، على خلاف بينهم وبين السلف في كيفية إثبات بعض هذه الصفات.

وشبهتهم فيما ذهبوا إليه أنهم اعتقدوا فيما نفوه أن إثباته يستلزم التشبيه أي التمثيل. وقالوا فيما أثبتوه : إن العقل قد دل عليه فإن إيجاد المخلوقات يدل على القدرة، وتخصيص بعضها بما يختص به يدل على الإرادة، وإحكامها يدل على العلم، وهذه الصفات " القدرة، والإرادة، والعلم" تدل على الحياة لأنها لا تقوم إلا بحي، والحي إما أن يتصف بالكلام والسمع والبصر وهذه صفات كمال، أو بضدها وهو الخرس والصمم والعمى وهذه صفات نقص ممتنعة على الله تعالى: فوجب ثبوت الكلام، والسمع والبصر.

والرد عليهم من وجوه:

الأول: أن الرجوع إلى العقل في هذا الباب مخالف لما كان عليه سلف الأمة من الصحابة، والتابعين، وأئمة الأمة من بعدهم، فما منهم أحد رجع إلى العقل في ذلك وإنما يرجعون إلى الكتاب والسنة، فيثبتون لله تعالى: من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسله إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل.

قال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل : " نصف الله بما وصف به نفسه ولا نتعدى القرآن والحديث".

الثاني: أن الرجوع إلى العقل في هذا الباب مخالف للعقل لأن هذا الباب من الأمور الغيبية التي ليس للعقل فيها مجال وإنما تتلقى من السمع فإن العقل لا يمكنه أن يدرك بالتفصيل ما يجب، ويجوز، ويمتنع في حق الله تعالى: فيكون تحكيم العقل في ذلك مخالفاً للعقل.

الثالث: أن الرجوع في ذلك إلى العقل مستلزم للاختلاف والتناقض فإن لكل واحد منهم عقلاً يرى وجوب الرجوع إليه كما هو الواقع في هؤلاء فتجد أحدهم يثبت ما ينفيه الآخر، وربما يتناقض الواحد منهم فيثبت في مكان ما ينفيه، أو ينفي نظيره في مكان آخر، فليس لهم قانون مستقيم يرجعون إليه.

قال المؤلف رحمه الله في الفتوى الحموية: " فيا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة، فرضي الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم لجدل هؤلاء "(1). ومن المعلوم أن تناقض الأقوال دليل على فسادها.

الرابع: أنهم إذا صرفوا النصوص عن ظاهرها إلى معنى زعموا أن العقل يوجبه فإنه يلزمهم في هذا المعنى نظير ما يلزمهم في المعنى الذي نفوه مع ارتكابهم تحريف الكتاب والسنة.

مثال ذلك: إذا قالوا : المراد بيدي الله عز وجل: القوة دون حقيقة اليد لأن إثبات حقيقة اليد يستلزم التشبيه بالمخلوق الذي له يد.

فنقول لهم: يلزمكم في إثبات القوة نظير ما يلزمكم في إثبات اليد الحقيقية، لأن للمخلوق قوة فإثبات القوة لله تعالى: يستلزم التشبيه على قاعدتكم.

ومثال آخر: إذا قالوا : المراد بمحبة الله تعالى: إرادة ثواب المحبوب أو الثواب نفسه دون حقيقة المحبة، لأن إثبات حقيقة المحبة يستلزم التشبيه.

فنقول لهم: إذا فسرتم المحبة بالإرادة لزمكم في إثبات الإرادة نظير ما يلزمكم في إثبات المحبة، لأن للمخلوق إرادة فإثبات الإرادة لله تعالى: يستلزم التشبيه على قاعدتكم، وإذا فسرتموها بالثواب، فالثواب مخلوق مفعول لا يقوم إلا بخالق فاعل، والفاعل لابد له من إرادة الفعل وإثبات الإرادة مستلزم للتشبيه على قاعدتكم.

ثم نقول: إثباتكم إرادة الثواب، أو الثواب نفسه مستلزم لمحبة العمل المثاب عليه، ولولا محبة العمل ما أثيب فاعله فصار تأويلكم مستلزماً لما نفيتم فإن أثبتموه على الوجه المماثل للمخلوق ففي التمثيل وقعتم، وإن أثبتموه على الوجه المختص بالله واللائق به أصبتم ولزمكم إثبات جميع الصفات على هذا الوجه.

الخامس: أن قولهم فيما نفوه: " إن إثباته يستلزم التشبيه" ممنوع لأن الاشتراك في الأسماء والصفات، لا يستلزم تماثل المسميات والموصوفات كما تقرر سابقاً، ثم إنه منقوض بما أثبتوه من صفات الله، فإنهم يثبتون لله تعالى: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، مع أن المخلوق متصف بذلك فإثباتهم هذه الصفات لله تعالى: مع اتصاف المخلوق بها مستلزم للتشبيه على قاعدتهم.

فإن قالوا: إننا نثبت هذه الصفات لله تعالى: على وجه يختص به ولا يشبه ما ثبت للمخلوق منها.

قلنا: هذا جواب حسن سديد فلماذا لا تقولون به فيما نفيتموه فتثبتونه لله على وجه يختص به ولا يشبه ما ثبت للمخلوق منه ؟ !

فإن قالوا: ما أثبتناه فقد دل العقل على ثبوته فلزم إثباته.

قلنا: عن هذا ثلاثة أجوبة:

أحدها: أنه لا يصح الاعتماد على العقل في هذا الباب كما سبق.

الثاني: أنه يمكن إثبات ما نفيتموه بدليل عقلي يكون في بعض المواضع أوضح من أدلتكم فيما أثبتموه.

مثال ذلك: الرحمة التي أثبتها الله تعالى: لنفسه في قوله: ] وربك الغفور ذو الرحمة[(1) وقوله: ]وهو الغفور الرحيم[ (2). فإنه يمكن إثباتها بالعقل كما دل عليها السمع.

فيقال: الإحسان إلى الخلق بما ينفعهم ويدفع عنهم الضرر يدل على الرحمة كدلالة التخصيص على الإرادة بل هو أبين وأوضح لظهوره لكل أحد.

الثالث: أن نقول: على فرض أن العقل لا يدل على ما نفيتموه فإن عدم دلالته عليه لا يستلزم انتفاءه في نفس الأمر، لأن انتفاء الدليل المعين لا يستلزم انتفاء المدلول، إذ قد يثبت بدليل آخر. فإذا قدرنا أن الدليل العقلي لا يثبته فإن الدليل السمعي قد أثبته، وحينئذ يجب إثباته بالدليل القائم السالم عن المعارض المقاوم.

فإن قالوا: بل العقل يدل على انتفاء ذلك لأن إثباته يستلزم التشبيه والعقل يدل على انتفاء التشبيه.

قلنا: إن كان إثباته يستلزم التشبيه فإن إثبات ما أثبتموه يستلزم التشبيه أيضاً، فإن منعتم ذلك لزمكم منعه فيما نفيتموه إذ لا فرق، وحينئذ إما أن تقولوا بالإثبات في الجميع فتوافقوا السلف، وإما أن تقولوا بالنفي في الجميع فتوافقوا المعتزلة ومن ضاهاهم، وأما التفريق فتناقض ظاهر.



فصل

الطائفة الثانية: المعتزلة ومن تبعهم من أهل الكلام وغيرهم.

وطريقتهم أنهم يثبتون لله تعالى: الأسماء دون الصفات، ويجعلون الأسماء أعلاماً محضة، ثم منهم من يقول : إنها مترادفة فالعليم، والقدير، والسميع، والبصير شيء واحد، ومنهم من يقول: إنها متباينة ولكنه عليم بلا علم ، قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر ونحو ذلك.

وشبهتهم أنهم اعتقدوا أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه لأنه لا يوجد شيء متصف بالصفات إلا جسم، والأجسام متماثلة، فإثبات الصفات يستلزم التشبيه.

والرد عليهم من وجوه:

الأول: أن الله تعالى: سمى نفسه بأسماء ووصف نفسه بصفات فإن كان إثبات الصفات يستلزم التشبيه فإثبات الأسماء كذلك، وإن كان إثبات الأسماء لا يستلزم التشبيه فإثبات الصفات كذلك، والتفريق بين هذا وهذا تناقض، فإما أن يثبتوا الجميع فيوافقوا السلف، وإما أن ينفوا الجميع فيوافقوا غلاة الجهمية والباطنية، وإما أن يفرقوا فيقعوا في التناقض.

الثاني: أن الله تعالى: وصف أسماءه بأنها حسنى ، وأمرنا بدعائه بها فقال: ) ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ( (1). وهذا يقتضي أن تكون دالة على معانٍ عظيمة تكون وسيلة لنا في دعائنا ولا يصح خلوها عنها.

ولو كانت أعلاماً محضة لكانت غير دالة على معنى سوى تعيين المسمى، فضلاً عن أن تكون حسنى ووسيلة في الدعاء.

الثالث:أن الله تعالى: أثبت لنفسه الصفات إجمالاً وتفصيلاًمع نفي المماثلة فقال تعالى ولله المثل الأعلى((2). وقال: )ليس كمثله شيء وهو السميع البصير( (3). وهذا يدل على أن إثبات الصفات لا يستلزم التمثيل ولو كان يستلزم التمثيل لكان كلام الله متناقضاً.

الرابع: أن من لا يتصف بصفات الكمال لا يصلح أن يكون رباً ولا إلهاً، ولهذا عاب إبراهيم عليه الصلاة والسلام أباه باتخاذه ما لا يسمع ولا يبصر إلهاً فقال: ) يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً ( (4).

الخامس: أن كل موجود لابد له من صفة، ولا يمكن وجود ذات مجردة عن الصفات، وحينئذ لابد أن يكون الخالق الواجب الوجود متصفاً بالصفات اللائقة به.

السادس: أن القول" بأن أسماء الله أعلام محضة مترادفة لا تدل إلا على ذات الله فقط" قول باطل لأن دلالات الكتاب والسنة متضافرة على أن كل اسم منها دال على معناه المختص به مع اتفاقها على مسمى واحد وموصوف واحد فالله تعالى: هو الحي القيوم، السميع، البصير، العليم، القدير، فالمسمى والموصوف واحد، والأسماء والصفات متعددة. ألا ترى أن الله تعالى: يسمي نفسه باسمين أو أكثر في موضع واحد كقوله: ) هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر( (1). فلو كانت الأسماء مترادفة ترادفاً محضاً لكان ذكرها مجتمعة لغواً من القول لعدم الفائدة.

السابع: أن القول " بأن الله تعالى: عليم بلا علم، وقدير بلا قدرة وسميع بلا سمع ونحو ذلك" قول باطل مخالف لمقتضى اللسان العربي وغير العربي فإن من المعلوم في جميع لغات العالم أن المشتق دال على المعنى المشتق منه، وأنه لا يمكن أن يقال : عليم لمن لا علم له، ولا قدير لمن لا قدرة له، ولا سميع لمن لا سمع له ونحو ذلك.

وإذا كان كذلك تعين أن تكون أسماء الله تعالى: دالة على ما تقتضيه من الصفات اللائقة به فيتعين إثبات الأسماء والصفات لخالق الأرض والسموات.

الثامن: أن قولهم: " لا يوجد شيء متصف بالصفات إلا جسم" ممنوع فإننا نجد من الأشياء ما يصح أن يوصف وليس بجسم، فإنه يقال: ليل طويل، ونهار قصير، وبرد شديد، وحر خفيف ونحو ذلك، وليست هذه أجساماً. على أن إضافة لفظ الجسم إلى الله تعالى: إثباتاً أو نفياً من الطرق البدعية التي يتوصل بها أهل التعطيل إلى نفي الصفات التي أثبتها الله لنفسه.

التاسع: أن قولهم: " الأجسام متماثلة " باطل ظاهر البطلان فإن تفاوت الأجسام ظاهر لا يمكن إنكاره. قال الشيخ " المؤلف": ولا ريب أن قولهم بتماثل الأجسام قول باطل(2).



فصل

الطائفة الثالثة: غلاة الجهمية، والقرامطة، والباطنية ومن تبعهم.

وطريقتهم أنهم ينكرون الأسماء والصفات ولا يصفون الله تعالى: إلا بالنفي المجرد عن الإثبات ويقولون : إن الله هو الموجود المطلق بشرط الإطلاق(1). فلا يقال : هو موجود، ولا حي، ولا عليم، ولا قدير وإنما هذه أسماء لمخلوقاته أو مجاز، لأن إثبات ذلك يستلزم تشبيهه بالموجود الحي، العليم، القدير ويقولون : إن الصفة عين الموصوف، وإن كل صفة عين الصفة الأخرى فلا فرق بين العلم، والقدرة والسمع، والبصر ونحو ذلك.

وشبهتهم أنهم اعتقدوا أن إثبات الأسماء والصفات يستلزم التشبيه والتعدد ووجه ذلك في الأسماء أنه إذا سمي بها لزم أن يكون متصفاً بمعنى الاسم فإذا أثبتنا " الحي " مثلاً لزم أن يكون متصفاً بالحياة لأن صدق المشتق يستلزم صدق المشتق منه وذلك يقتضي قيام الصفات به وهو تشبيه.

وأما في الصفات فقالوا : إن إثبات صفات متغايرة مغايرة للموصوف يستلزم التعدد وهو تركيب ممتنع مناقض للتوحيد.

والرد عليهم من وجوه:

الأول: أن الله تعالى: جمع فيما سمى ووصف به نفسه بين النفي والإثبات " وقد سبق أمثلة من ذلك " فمن أقر بالنفي وأنكر الإثبات فقد آمن ببعض الكتاب دون بعض، والكفر ببعض الكتاب كفر بالكتاب كله. قال الله تعالى: منكراً على بني إسرائيل: ) أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ( (2).

وقال تعالى: ) إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً . أولئك هم الكافرون حقاً واعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً ( (3).

الثاني: أن الموجود المطلق بشرط الإطلاق لا وجود له في الخارج المحسوس وإنما هو أمر يفرضه الذهن ولا وجود له في الحقيقة، فتكون حقيقة القول به نفي وجود الله تعالى: إلا في الذهن، وهذا غاية التعطيل والكفر.

الثالث: قولهم: " إن الصفة عين الموصوف وإن كل صفة عين الصفة الأخرى" مكابرة في المعقولات، سفسطة في البدهيات، فإن من المعلوم بضرورة العقل، والحس أن الصفة غير الموصوف، وأن كل صفة غير الصفة الأخرى فالعلم غير العالم، والقدرة غير القادر، والكلام غير المتكلم، كما أن العلم والقدرة، والكلام، صفات متغايرة.

الرابع: أن وصف الله تعالى: بصفات الإثبات أدل على الكمال من وصفه بصفات النفي، لأن الإثبات أمر وجودي يقتضي تنوع الكمالات في حقه، وأما النفي فأمر عدمي لا يقتضي كمالاً إلا إذا تضمن إثباتاً وهؤلاء النفاة لا يقولون بنفي يقتضي الإثبات.

الخامس: قولهم: " إن إثبات صفات متغايرة مغايرة للموصوف يستلزم التعدد.. " قول باطل مخالف للمعقول، والمحسوس فإنه لا يلزم من تعدد الصفات تعدد الموصوف فها هو الإنسان الواحد يوصف بأنه حي، سميع بصير، عاقل متكلم إلى غير ذلك من صفاته ولا يلزم من ذلك تعدد ذاته.

السادس: قولهم في الأسماء: " إن إثباتها يستلزم أن يكون متصفاً بمعنى الاسم فيقتضي أن يكون إثباتها تشبيهاً ".

جوابه: أن المعاني التي تلزم من إثبات الأسماء صفات لائقة بالله تعالى: غير مستحيلة عليه، والمشاركة في الاسم، أو الصفة لا تستلزم تماثل المسميات والموصوفات.

السابع: قولهم: " إن الإثبات يستلزم تشبيهه بالموجودات ".

جوابه: أن النفي ـ الذي قالوا به ـ يستلزم تشبيهه بالمعدومات على قياس قولهم وذلك أقبح من تشبيهه بالموجودات وحينئذ فإما أن يقروا بالإثبات فيوافقوا الجماعة، وإما أن ينكروا النفي كما أنكروا الإثبات فيوافقوا غلاة الغلاة من القرامطة والباطنية وغيرهم، وأما التفريق بين هذا وهذا فتناقض ظاهر.

فصل

الطائفة الرابعة: غلاة الغلاة من الفلاسفة، والجهمية، والقرامطة والباطنية وغيرهم.

وطريقتهم أنهم أنكروا في حق الله تعالى: الإثبات والنفي، فنفوا عنه الوجود، والعدم، والحياة والموت، والعلم، والجهل ونحوها وقالوا: إنه لا موجود ولا معدوم، ولا حي، ولا ميت، ولا عالم، ولا جاهل ونحو ذلك.

وشبهتهم أنهم اعتقدوا أنهم إن وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات وإن وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات.

والرد عليهم من وجوه:

الأول: أن تسمية الله ووصفه بما سمى ووصف به نفسه ليس تشبيهاً ولا يستلزم التشبيه، فإن الاشتراك في الاسم والصفة لا يستلزم تماثل المسميات والموصوفات، وتسميتكم ذلك تشبيهاً ليس إلا تمويهاً وتلبيساً على العامة والجهال ولو قبلنا مثل هذه الدعوى الباطلة لأمكن كل مبطل أن يسمي الشيء الحق بأسماء ينفر بها الناس عن قبوله.

الثاني: أنه قَدْ علم بضرورة العقل والحس أن الموجود الممكن لابد له من موجد واجب الوجود، فإننا نعلم حدوث المحدثات ونشاهدها، ولا يمكن أن تحدث بدون محدث، ولا أن تحدث نفسها بنفسها لقوله تعالى: ) أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ( (1). فتعين أن يكون لها خالق واجب الوجود وهو الله تعالى:. ففي الوجود إذاً موجودان:

أحدهما: أزلي واجب الوجود بنفسه.

الثاني: محدث ممكن الوجود، موجود بغيره، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يتفقا في خصائصه، فإن وجود الواجب يخصه، ووجود المحدث يخصه.

فوجود الخالق واجب أزلي ممتنع الحدوث أبدي ممتنع الزوال، ووجود المخلوق ممكن حادث بعد العدم قابل للزوال، فمن لم يثبت ما بينهما من الاتفاق والافتراق لزمه أن تكون الموجودات كلها إما أزلية واجبة الوجود بنفسها أو محدثة ممكنة الوجود بغيرها وكلاهما معلوم الفساد بالاضطرار (2).

الثالث: أن إنكارهم الإثبات والنفي، يستلزم نفي النقيضين معاً وهذا ممتنع، لأن النقيضين لا يمكن اجتماعهما ولا ارتفاعهما، بل لابد من وجود أحدهما وحده فيلزم على قياس قولهم تشبيه الله بالممتنعات لأنه يمتنع أن يكون الشيء لا موجوداً، ولا معدوماً، ولا حياً، ولا ميتاً، إلا أمراً يقدره الذهن ولا حقيقة له، ووصف الله سبحانه بهذا مع كونه مخالفاً لبداهة العقول كفر صريح بما جاء به الرسول.

فإن قالوا: نفي النقيضين ممتنع عما كان قابلاً لهما أما ما كان غير قابل لهما كالجماد الذي لا يقبل الاتصاف بالسمع والصمم فإنه يمكن نفيهما عنه فيقال : ليس بسميع ولا أصم.

فالجواب من أربعة أوجه:

الوجه الأول: أن هذا لا يصح فيما قالوه من نفي الوجود والعدم فإن تقابلهما تقابل سلب وإيجاب باتفاق العقلاء فإذا انتفى أحدهما لزم ثبوت الآخر، فإذا قيل : ليس بموجود. لزم أن يكون معدوماً. وإذا قيل: ليس بمعدوم لزم أن يكون موجوداً، فلا يمكن نفيهما معاً ولا إثباتهما معاً.

الوجه الثاني: أن قولهم في الجماد : إنه لا يقبل الاتصاف بالحياة، والموت، والعمى، والبصر، والسمع، والصمم ونحوها مما يكون تقابله تقابل عدم وملكة قول اصطلاحي لا يغير الحقائق مردود بما ثبت من جعل الجماد حياً كما جعل الله عصا موسى حية تلقف ما صنعه السحرة وقد وصف الله تعالى: الجماد بأنه ميت في قوله: ) والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون . أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون ( (1). وأخبر أن الأرض يوم القيامة تحدث أخبارها وهي ما عمل عليها من خير وشر وهذا يستلزم سمعها لما قيل ورؤيتها لما فعل.

الوجه الثالث: أن الذي يقبل الاتصاف بالكمال أكمل من الذي لا يقبله فما يقبل أن يوصف بالعلم، والقدرة، والسمع، والبصر ولو كان خالياً منه أكمل مما لا يقبل ذلك، فقولكم إن الرب لا يقبل أن يتصف بذلك يستلزم أن يكون أنقص من الإنسان القابل لذلك حيث شبهتموه بالجماد الذي لا يقبله.

الوجه الرابع: أنه إذا كان يمتنع انتفاء الوجود والعدم فانتفاء عدم قبول ذلك أشد، وعلى هذا يكون قولهم : إن الرب لا يقبل الاتصاف بالوجود والعدم مستلزماً لتشبيهه بأشد الممتنعات.



فصل

علم مما سبق أن كل طائفة من هؤلاء الطوائف الأربع واقعون في محاذير:

الأول: مخالفة طريق السلف.

الثاني: تعطيل النصوص عن المراد بها.

الثالث: تحريفها إلى معان غير مرادة بها.

الرابع: تعطيل الله عن صفات الكمال التي تضمنتها هذه النصوص.

الخامس: تناقض طريقتهم فيما أثبتوه وفيما نفوه.

فنقول لكل واحد منهم في جانب الإثبات: أثبت ما نفيت مع نفي التشبيه، كما أثبت ما أثبت مع نفي التشبيه.

ونقول له في جانب النفي: انف ما أثبت خوفاً من التشبيه، كما نفيت ما نفيت خوفاً ما التشبيه وإلا كنت متنافضاً.

والقول الفصل المطرد السالم من التناقض ما كان عليه سلف الأمة وأئمتها من إثبات ما أثبته الله تعالى: لنفسه من الأسماء والصفات ، إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل ، وإجراء النصوص على ظاهرها على الوجه اللائق بالله عز وجل من غير تحريف ، ولا تعطيل ، ولا تكييف ، ولا تمثيل.

ويتبين هذا بأصلين، ومثلين، وخاتمة:

فأما الأصلان:

فأحدهما: أن يقال لمن يثبت بعض الصفات دون بعض:

" القول في بعض الصفات كالقول في بعض ".

أي إن من أثبت شيئاً مما أثبته الله لنفسه من الصفات أُلزم بإثبات الباقي، ومن نفى شيئاً منه ألزم بنفي ما أثبته وإلا كان متناقضاً.

مثال ذلك: إذا كان المخاطب يثبت لله تعالى: حقيقة الإرادة، وينفي حقيقة الغضب ويفسره: إما بإرادة الانتقام، وإما بالانتقام نفسه.

فيقال له: لا فرق بين ما أثبتّه من حقيقة الإرادة وما نفيته من حقيقة الغضب، فإن كان إثبات حقيقة الغضب يستلزم التمثيل، فإثبات حقيقة الإرادة يستلزمه أيضاً.

وإن كان إثبات حقيقة الإرادة لا يستلزمه، فإثبات الغضب لا يستلزمه أيضاً، لأن القول في أحدهما كالقول في الآخر، وعلى هذا يلزمك إثبات الجميع، أو نفي الجميع.

فإن قال: الإرادة التي أثبتها لا تستلزم التمثيل، لأنني أعني بها إرادة تليق بالله عز وجل لا تماثل إرادة المخلوق.

قيل له: فأثبت لله غضباً يليق به ولا يماثل غضب المخلوق.

فإن قال: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام وهذا لا يليق بالله تعالى:.

قيل له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة وهذا لا يليق بالله سبحانه وتعالى:.

فإن قال: هذه إرادة المخلوق، وأما إرادة الله فتليق به.

قيل له: والغضب بالمعنى الذي قلت غضب المخلوق، وأما غضب الله فيليق به، وهكذا القول في جميع الصفات التي نفاها يقال له فيها ما يقوله هو فيما أثبته.

فإن قال: أُثْبِت ما أثبتُّه من الصفات لدلالة العقل عليه.

أجبنا عنه بثلاثة أجوبة سبق ذكرها آخر الرد على الطائفة الأولى.

الأصل الثاني: أن يقال لمن يقر بذات الله تعالى: ويمثل في صفاته أو ينفيها :

" القول في الصفات كالقول في الذات".

يعني أن من أثبت لله تعالى: ذاتاً لا تماثل ذوات المخلوقين لزمه أن يثبت له صفات لا تماثل صفات المخلوقين، لأن القول في الصفات كالقول في الذات، وهذا الأصل يخاطب به أهل التمثيل، وأهل التعطيل من المعتزلة ونحوهم.

فيقال لأهل التمثيل : ألستم تثبتون لله ذاتاً بلا تمثيل فأثبتوا له صفات بلا تمثيل.

ويقال لأهل التعطيل من المعتزلة ونحوهم: ألستم تقولون بوجود ذات لا تشبه الذوات فكذلك قولوا بصفات لا تشبه الصفات.

مثال ذلك: إذا قال: إن الله استوى على العرش فكيف استواؤه؟

فيقال له: القول في الصفات كالقول في الذات فأخبرنا كيف ذاته؟

فإن قال: لا أعلم كيفية ذاته.

قيل له: ونحن لا نعلم كيفية استوائه.

وحينئذ يلزمه أن يقر باستواء حقيقي غير مماثل لاستواء المخلوقين ولا معلوم الكيفية، كما أقر بذات حقيقية غير مماثلة لذوات المخلوقين ولا معلومة الكيفية، كما قال مالك وشيخه ربيعة وغيرهما في الاستواء: " الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة "(1).

فقوله: " الاستواء معلوم " أي معلوم المعنى في اللغة العربية التي نزل بها القرآن وله معان بحسب إطلاقه وتقييده بالحرف فإذا قيد بـ ( على ) كان معناه العلو والاستقرار كما قال تعالى: ) فإذا استوىت أنت ومن معك على الفلك ( (1). وقال: ) لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استوىتم عليه ( (2). فاستواء الله تعالى: على عرشه علوه عليه علواً خاصاً يليق به، على كيفية لا نعلمها، وليس هو العلو المطلق على سائر المخلوقات.

وقوله: " والكيف مجهول " أي إن كيفية استواء الله على عرشه مجهولة لنا وذلك لوجوه ثلاثة:

الأول: أن الله أخبرنا أنه استوى على عرشه ولم يخبرنا كيف استوى.

الثاني: أن العلم بكيفية الصفة فرع عن العلم بكيفية الموصوف وهو الذات، فإذا كنا لا نعلم كيفية ذات الله فكذلك لا نعلم كيفية صفاته.

الثالث: أن الشيء لا تعلم كيفيته إلا بمشاهدته، أو مشاهدة نظيره أو الخبر الصادق عنه، وكل ذلك منتفٍ في استواء الله عز وجل على عرشه وهذا يدل على أن السلف يثبتون للاستواء كيفية لكنها مجهولة لنا.

وقوله: " والإيمان به واجب" أي إن الإيمان بالاستواء على هذا الوجه واجب، لأن الله تعالى: أخبر به عن نفسه، وهو أعلم بنفسه، وأصدق قولاً وأحسن حديثاً، فاجتمع في خبره كمال العلم، وكمال الصدق، وكمال الإرادة وكمال الفصاحة والبيان فوجب قبوله والإيمان به.

وقوله: " والسؤال عنه " أي عن كيفيته بدعة، لأن السؤال عنها لم يعرف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفائه الراشدين، وهو من الأمور الدينية فكان إيراده بدعة، ولأن السؤال عن مثل ذلك من سمات أهل البدع، ثم إن السؤال عنه مما لا تمكن الإجابة عليه فهو من التنطع في الدين وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: هلك المتنطعون".

وهذا القول الذي قاله مالك وشيخه يقال في صفة نزول الله تعالى: إلى السماء الدنيا وغيره من الصفات: إنها معلومة المعنى، مجهولة الكيفية، وإن الإيمان بها على الوجه المراد بها واجب، والسؤال عن كيفيتها بدعة.



فصل

وأما المثلان:

فأحدهما نعيم الجنة فقد أخبر الله تعالى: أن في الجنة طعاماً، وشراباً ولباساً، وزوجات، ومساكن، ونخلاً، ورماناً، وفاكهة، ولحماً، وخمراً، ولبناً، وعسلاً، وماء، وحلية من ذهب ولؤلؤ وفضة وغير ذلك، وكله حق على حقيقته، وهو في الاسم موافق لما في الدنيا من حيث المعنى لكنه مخالف له في الحقيقة.

· · أما موافقته لما في الدنيا في المعنى فلأن الله تعالى: قال عن القرآن: ) إنا جعلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون ( (1). ولولا موافقته له في المعنى ما فهمناه ولا عقلناه.

· · وأما مخالفته له في الحقيقة فلقوله تعالى: ) فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ( (2). وقوله في الحديث القدسي: " أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر". قال ابن عباس رضي الله عنهما: " ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء".

فإذا كانت هذه الأسماء دالة على مسمياتها حقيقة وكان اتفاقها مع ما في الدنيا من الأسماء لا يستلزم اتفاق المسميات في الحقيقة بل بينهما من التباين مالا يعلمه إلا الله، فإن مباينة الخالق للمخلوق أعظم وأظهر من مباينة المخلوق للمخلوق، لأن التباين بين المخلوقات تباين بين مخلوق ومخلوق مثله فإذا ظهر التباين بينها كان بينها وبين الخالق أظهر وأولى.

وقد انقسم الناس في هذا المقام مقام الإيمان بالله واليوم الآخر إلى ثلاث فرق:

الفرقة الأولى: السلف والأئمة وأتباعهم آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر، وأنه حق على حقيقته مع اعتقادهم التباين بين ما في الدنيا وما في الآخرة، وأن التباين بين الخالق والمخلوق أولى وأعظم وأبين لقوله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير((3).

الفرقة الثانية: طوائف من أهل الكلام يؤمنون بما أخبر الله به عن اليوم الآخر من الثواب والعقاب، وينفون كثيراً مما أخبر الله به عن نفسه من الصفات.

الفرقة الثالثة: القرامطة، والباطنية، والفلاسفة لا يؤمنون بما أخبر الله به عن نفسه، ولا عن اليوم الآخر بل ينكرون حقائق هذا وهذا.

فمذهبهم فيما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر أنه تخييل لا حقيقة له.

وأما في الأمر والنهي فكثير منهم يجعلون للمأمورات والمنهيات تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها فيقولون: المراد بالصلوات معرفة أسرارهم، وبالصيام كتمان أسرارهم، وبالحج السفر إلى شيوخهم، ونحو ذلك مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام أنه كذب وافتراء وكفر وإلحاد.

وقد يقولون : إن الشرائع تلزم العامة دون الخاصة، فإذا وصل الرجل إلى درجة العارفين والمحققين عندهم ارتفعت عنه التكاليف فسقطت عنه الواجبات وحلت له المحظورات.

وقد يوجد في المنتسبين إلى التصوف والسلوك من يدخل في بعض هذه المذاهب.

وهؤلاء الباطنية هم الملاحدة الذين أجمع المسلمون على أنهم أكفر من اليهود والنصارى لعظم إلحادهم ومخالفتهم لجميع الشرائع الإلهية.

المثل الثاني: الروح التي بها الحياة وهي أقرب شيء إلى الإنسان، بل هي قوام الإنسان وقد وصفت في النصوص بأنها تقبض من البدن، ويصعد بها إلى السماء، وتعاد إلى البدن، ولا ينكر أحد وجودها حقيقة، وقد عجز الناس عن إدراك كنهها وحقيقتها إلا ما علموه عن طريق الوحي، واضطربوا فيها اضطراباً كثيراً لكونهم لا يشاهدون لها نظيراً.

فمنهم طوائف من أهل الكلام جعلوها البدن، أو جزءاً منه، أو صفة من صفاته.

ومنهم طوائف من أهل الفلسفة وصفوها بأمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود فقالوا: لا هي داخل البدن ولا خارجه، ولا مداخلة له ولا مباينة ولا متحركة ولا ساكنة،ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عرض. وقد يقولون : إنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة، كما يصفون بذلك الخالق الواجب الوجود.

فإذا قيل لهم: إثبات هذا القول ممتنع في العقل ضرورة، قالوا: هذا ممكن، بدليل أن الكليات ممكنة موجودة وهي غير مشار إليها. وقد غفلوا عن كون الكليات لا توجد كلية إلا في الأذهان لا في الأعيان، فإن الذهن يفرض أشياء في الخيال لا يمكن وجودها في الخارج كأن يتخيل ارتفاع النقيضين أو اجتماعهما مع أن هذا ممتنع.

واعلم أن اضطراب المتكلمين والفلاسفة في الروح كثير وله سببان:

أحدهما: قلة بضاعتهم مما جاء به الوحي في صفاتها.

والثاني: أنهم لا يشاهدون لها نظيراً، فإن الروح ليست من جنس هذا البدن، ولا من جنس العناصر والمولدات منها، وإنما هي من جنس آخر مخالف لهذه الأجناس فعرفها الفلاسفة بالسلوب التي توجب مخالفتها للأجسام المشهودة، وجعلها المتكلمون من جنس الأجسام المشهودة فطريق الفلاسفة فيها تعطيل وطريق المتكلمين فيها تمثيل. وكلا الطريقين خطأ.

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الروح إذا قبضت اتبعها البصر وأن الملائكة تجعلها في كفن وتصعد بها إلى السماء ومع هذا فالعقول قاصرة عن إدراك كنهها وحقيقتها كما قال تعالى: ) ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً( (1).

فإذا كانت الروح حقيقة، واتصافها بما وصفت به في الكتاب والسنة حقيقة مع أنها لا تماثل الأجسام المشهودة كان اتصاف الخالق بما يستحقه من صفات الكمال مع مباينته للمخلوقات من باب أولى، وكان عجز أهل العقول عن أن يحدوا الله أو يكيفوه أبين من عجزهم عن حد الروح وتكييفها.

وإذا كان من نفى صفات الروح جاحداً معطلاً، ومن مثلها بما يشاهد من المخلوقات جاهلاً بها ممثلاً، فالخالق سبحانه أولى أن يكون من نفى صفاته جاحداً معطلاً، ومن قاسه بخلقه جاهلاً به ممثلاً.



الخاتمة

هذه الخاتمة تشتمل على قواعد عظيمة مفيدة:

القاعدة الأولى:

أن الله تعالى: موصوف بالنفي والإثبات

يعني أن الله تعالى: جمع فيما وصف به نفسه بين النفي والإثبات كما قال تعالى: ) ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ( (1). وإنما جمع الله تعالى: لنفسه بين النفي والإثبات لأنه لا يتم كمال الموصوف إلا بنفي صفات النقص، وإثبات صفات الكمال، وكل الصفات التي نفاها الله عن نفسه صفات نقص كالإعياء، واللغوب، والعجز، والظلم، ومماثلة المخلوقين.

وكل ما أثبته الله تعالى: لنفسه فهو صفات كمال كما قال الله تعالى: ) ولله المثل الأعلى( (2). سواء كانت من الصفات الذاتية التي يتصف بها أزلاً وأبداً، أم من الصفات الفعلية التي يتصف بها حيث تقتضيها حكمته، وإن كان أصل هذه الصفات الفعلية ثابتاً له أزلاً وأبداً فإن الله تعالى: لم يزل ولا يزال فعالاً.



فصل

فمن صفات الله تعالى: التي أثبتها لنفسه: الحياة.. والعلم.. والقدرة.. والسمع.. والبصر.. والإرادة.. و الكلام.. والعزة.. والحكمة.. والمغفرة.. والرحمة.

فحياته تعالى: حياة كاملة مستلزمة لكل صفات الكمال لم يسبقها عدم ولا يلحقها فناء كما قال تعالى: )توكل على الحي الذي لا يموت((1).وقال هو الأول والآخر ((2).وقال الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ( (3).

وعلمه تعالى: كامل شامل لكل صغير، وكبير، وقريب، وبعيد، لم يسبقه جهل، ولا يلحقه نسيان كما قال الله تعالى: عن موسى حين سأله فرعون: ما بال القرون الأولى: ) قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ( (4). وقال تعالى: ) إن الله بكل شيء عليم ( (5).

وقدرته تعالى: كاملة لم تسبق بعجز ولا يلحقها تعب قال الله تعالى: ) وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً ( (6). وقال: ) لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً ( (7). وقال: ) ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب ( (8).

وحكمته تعالى: حكمة بالغة منزهة عن العبث شاملة لخلقه وشرعه قال الله تعالى وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين.ما خلقناهما إلا بالحق((9).وقال تعالى الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ( (10)وقال: ) ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم ( (11).

وحكمته كسائر صفاته لا يحيط بها الخلق فقد نعجز عن إدراك الحكمة فيما خلقه أو شرعه، وقد ندرك منها ما يفتح الله به علينا.

وعلى هذا تجري سائر الصفات التي أثبتها الله تعالى: لنفسه فكلها صفات كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه.

فصل

ومن الصفات التي نفاها الله تعالى: عن نفسه: الموت.. والجهل.. والنسيان.. والعجز.. والسنة.. والنوم.. واللغوب.. والإعياء.. والظلم.

قال الله تعالى: ) وتوكل على الحي الذي لا يموت ( (1).

وقال عن موسى: ) في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ( (2).

وقال: ) وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض ( (3).

وقال: ) لا تأخذه سنة ولا نوم ( (4).

وقال: ) وما مسنا من لغوب ( (5). وقال: ) ولم يعي بخلقهن ( (6). وقال: ) ولا يظلم ربك أحداً ( (7).

وكل صفة نفاها الله تعالى: عن نفسه فإنها متضمنة لشيئين:

أحدهما: انتفاء تلك الصفة.

الثاني: ثبوت كمال ضدها.

ألا ترى إلى قوله: ) وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً ( (8). فإن الله تعالى: لما نفى عن نفسه العجز بين أن ذلك لكمال علمه وقدرته.

وعلى هذا فنفي الظلم عن نفسه، متضمن لكمال عدله.

ونفي اللغوب والعي، متضمن لكمال قوته.

ونفي السنة والنوم، متضمن لكمال حياته وقيوميته.

ونفي الموت، متضمن لكمال حياته.

وعلى هذا تجري سائر الصفات المنفية.



ولا يمكن أن يكون النفي في صفات الله عز وجل نفياً محضاً، بل لابد أن يكون لإثبات كمال وذلك للوجوه التالية:



الأول: أن الله تعالى: قال: ) ولله المثل الأعلى ( (1). أي الوصف الأكمل وهذا معدوم في النفي المحض.

الثاني: أن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء فكيف يكون مدحاً وكمالاً.

الثالث: أن النفي ـ إن لم يتضمن كمالاً ـ فقد يكون لعدم قابلية الموصوف لذلك المنفي أو ضده، لا لكمال الموصوف كما إذا قيل: " الجدار لا يظلم " فنفي الظلم عن الجدار ليس لكمال الجدار، ولكن لعدم قابلية اتصافه بالظلم أو العدل، وحينئذ لا يكون نفي الظلم عنه مدحاً له ولا كمالاً فيه.

الرابع: أن النفي إن لم يتضمن كمالاً فقد يكون لنقص الموصوف أو لعجزه عنه كما لو قيل عن شخص عاجز عن الانتصار لنفسه ممن ظلمه: " إنه لا يجزي السيئة بالسيئة " فإن نفي مجازاته السيئة بمثلها ليس لكمال عفوه ولكن لعجزه عن الانتصار لنفسه وحينئذ يكون نفي ذلك عنه نقصاً وذماً لا كمالاً ومدحاً.

ألم تر إلى قول الحماسي يهجو قومه:

لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا

إلى أن قال:

لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشر في شيء وإن هانا

يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ومن إساءة أهل السوء إحسانا

يريد بذلك ذمهم ووصفهم بالعجز لا مدحهم بكمال العفو بدليل قوله بعد:

فليت لي بهمو قوماً إذا ركبوا شنوا الإغارة ركباناً وفرسانا

وبهذا علم أن الذين لا يصفون الله تعالى: إلا بالنفي المحض لم يثبتوا في الحقيقة إلهاً محموداً بل ولا موجوداً كقولهم في الله عز وجل: " إنه ليس بداخل العالم، ولا خارجه، ولا مباين، ولا محايث(2)، ولا فوق، ولا تحت، ولا متصل، ولا منفصل". ونحو ذلك.



ولهذا قال محمود بن سبكتكين(1) لمن ادعى ذلك في الخالق جل وعلا: " ميز لنا بين هذا الرب الذي تثبته وبين المعدوم " (2). ولقد صدق رحمه الله فإنه لن يوصف المعدوم بوصف أبلغ من هذا الوصف الذي وصفوا به الخالق جل وعلا.

فمن قال: لا هو مباين للعالم، ولا مداخل للعالم فهو بمنزلة من قال: لا هو قائم بنفسه، ولا بغيره، ولا قديم، ولا محدث، ولا متقدم على العالم، ولا مقارن له.

ومن قال: ليس بحي، ولا سميع، ولا بصير، ولا متكلم، لزمه أن يكون ميتاً، أصم، أعمى، أبكم(3).



فصل

القاعدة الثانية

ما أخبر الله تعالى: به في كتابه، أو أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم وجب علينا الإيمان به، سواء عرفنا معناه، أم لم نعرفه

لقوله تعالى: ) يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ((1).وقوله يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيراً لكم وإن تكفروا فإن لله ما في السموات والأرض وكان الله عليماً حكيماً((2).

ولأن خبر الله تعالى: صادر عن علم تام، فهو أعلم بنفسه وبغيره كما قال الله تعالى: ) قل أأنتم أعلم أم الله ( (3).

ولأن خبر الله تعالى: أصدق الأخبار كما قال تعالى: ) ومن أصدق من الله حديثاً ( (4).

ولأن كلام الله تعالى: أفصح الكلام،وأبلغه،وأبينه كما قال الله تعالى ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً((5).وقال الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني( (6). متشابهاً يشبه بعضه بعضاً في الكمال والبيان . وقال تعالى: : ) نزل به الروح الأمين . على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ( (7).

ولأن الله تعالى: يريد بما أنزل إلى عباده من الوحي أن يهتدوا ولا يضلوا كما قال تعالى: : )يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ( (8). وقال: ) يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم ( (9).

وهكذا خبر النبي صلى الله عليه وسلم صادر عن علم فإنه صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بربه، وأسمائه، وصفاته، وأحكامه.

وخبره أصدق أخبار البشر، وكلامه أفصح كلام البشر، وقصده أفضل مقصود البشر، فهو أنصح الخلق للخلق.

فقد اجتمع في خبر الله تعالى: وخبر رسوله كمال العلم، وكمال الصدق وكمال البيان، وكمال القصد والإرادة، وهذه هي مقومات قبول الخبر ولهذا لو صدر الخبر عن جاهل أو كاذب، أو عيي، أو سيئ قصد لم يكن مقبولاً لفقده مقومات القبول أو أحدها.

فإذا كانت مقومات قبول الخبر تامة على أكمل وجه في خبر الله ورسوله وجب الإيمان به، وقبوله سواء كان نفياً، أم إثباتاً، ولم يبق عذر لمعتذر في رده، أو تحريفه، أو الشك في مدلوله، لا سيما في أسماء الله تعالى: وصفاته.

وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها وجب قبوله وعامة هذا الباب " باب الأسماء والصفات " منصوص عليه في الكتاب والسنة متفق عليه بين سلف الأمة.

وأما ما تنازع فيه المتأخرون مما ليس في الكتاب والسنة ولا عند سلف الأمة فليس على أحد، بل وليس لأحد أن يثبت لفظه، أو ينفيه لعدم ورود السمع به، وليس له أن يقبل معناه أو يرده حتى يعلم المراد منه فإن كان حقاً وجب قبوله وإن كان باطلاً وجب رده.

ولذلك أمثلة، منها:

المثال الأول: الجهة:

أي لو قال قائل: إن الله في جهة، أو هل لله جهة؟

فيقال له: لفظ " الجهة " ليس في الكتاب والسنة إثباته ولا نفيه، فليس فيهما أنه في جهة، أو له جهة، ولا أنه ليس في جهة، أو ليس له جهة، وفي النصوص ما يغني عنه كالعلو، والفوقية، والاستواء على العرش، وصعود الأشياء إليه ونزولها منه.

وقد اضطرب المتأخرون في إثباته ونفيه، فإذا أجريناه على القاعدة قلنا: أما اللفظ فلا نثبته ولا ننفيه لعدم ورود ذلك، وأما المعنى فينظر ماذا يراد بالجهة: أيراد بالجهة شيء مخلوق محيط بالله عز وجل، فهذا معنى باطل لا يليق بالله سبحانه فإن الله لا يحيط به شيء من مخلوقاته فقد وسع كرسيه السموات والأرض، ولا يؤوده حفظهما، ولا يمكن أن يكون داخل شيء من مخلوقاته.

أم يراد بالجهة ما فوق العالم، فهذا حق ثابت لله عز وجل فإن الله تعالى: فوق خلقه عال عليهم، كما دل على ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، وفي صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجارية كانت له: " أين الله ؟ " قالت: في السماء. قال: " من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله. قال: "أعتقها فإنها مؤمنة ".

المثال الثاني: الحيز أو المتحيز:

فإذا قال قائل: هل نصف الله تعالى: بأنه متحيز أو في حيز؟

قلنا: لفظ " التحيز " أو " الحيز " ليس في الكتاب والسنة إثباته ولا نفيه عن الله تعالى:، فليس فيهما أنه في حيز، أو متحيز، ولا أنه ليس كذلك وفي النصوص ما يغني عنه مثل الكبير المتعال.

وقد اضطرب المتأخرون في إثبات ذلك لله تعالى: أو نفيه عنه فإذا أجريناه على القاعدة قلنا: أما اللفظ فلا نثبته ولا ننفيه لعدم ورود السمع به، وأما المعنى فينظر ماذا يراد بالحيز أو المتحيز أيراد به أن الله تعالى: تحوزه المخلوقات وتحيط به، فهذا معنى باطل منفي عن الله تعالى: لا يليق به فإن الله أكبر، وأعظم، وأجل من أن تحيط به المخلوقات وتحوزه كيف وقد وسع كرسيه السموات والأرض، والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه؟ ! وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يقبض الله تبارك وتعالى: الأرض يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض ؟". وقال ابن عباس رضي الله عنهما: " ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم".

أم يراد بالحيز أو المتحيز: أن الله منحاز عن المخلوقات أي مباين لها منفصل عنها ليس حالاً فيها، ولا هي حالة فيه، فهذا حق ثابت لله عز وجل كما قال أئمة أهل السنة :هو فوق سمواته على عرشه، بائن من خلقه.

( تنبيه ) جاء في القاعدة " أنه يجب علينا الإيمان بما أخبر الله به ورسوله سواء عرفنا معناه أم لا " لكن ليعلم أنه ليس في كلام الله ورسوله شيء لا يعرف معناه جميع الأمة، بل لابد أن يكون معروفاً لجميع الأمة أو بعضها لقوله تعالى: ) وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ( (1). وقوله: ) ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين( (2).

ولأنه لو كان فيه مالا يعلم معناه أحد لكان بعض الشريعة مجهولاً للأمة، ولكن المعرفة والخفاء أمران نسبيان، فقد يكون معروفاً لشخص ما كان خفياً على غيره، إما لنقص في علمه، أو قصور في فهمه، أو تقصير في طلبه، أو سوء في قصده.



فصل

القاعدة الثالثة

في إجراء النصوص على ظاهرها



ظاهر النصوص ما يتبادر منها من المعاني بحسب ما تضاف إليه وما يحتف بها من القرائن. والواجب في النصوص إجراؤها على ظاهرها بدون تحريف لقوله تعالى: ) وإنه لتنزيل رب العالمين . نزل به الروح الأمين . على قلبك لتكون من المنذرين . بلسان عربي مبين((1). وقوله: ) إنا جعلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون( (2). وقوله: ) اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء( (3).

فإذا كان الله تعالى: أنزله باللسان العربي من أجل عقله وفهمه، وأمرنا باتباعه، وجب علينا إجراؤه على ظاهره بمقتضى ذلك اللسان العربي، إلا أن تمنع منه حقيقة شرعية. ولا فرق في هذا بين نصوص الصفات وغيرها، بل قد يكون وجوب التزام الظاهر في نصوص الصفات أولى وأظهر، لأن مدلولها توقيفي محض لا مجال للعقول في تفاصيله.

فإن قال قائل : في نصوص الصفات لا يجوز إجراؤها على ظاهرها لأن ظاهرها غير مراد.

فجوابه أن يقال: ماذا تريد بالظاهر؟ أتريد ما يظهر من النصوص من المعاني اللائقة بالله من غير تمثيل فهذا الظاهر مراد لله ورسوله قطعاً، وواجب على العباد قبوله، والإيمان به شرعاً، لأنه حق ولا يمكن أن يخاطب الله عباده بما يريد منهم خلاف ظاهره بدون بيان كيف وقد قال: )يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ((4). وقال يبين الله لكم أن تضلوا ((5). ويقول عن رسوله صلى الله عليه وسلم: ) وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم( (6). ويقول: ) وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ( (7). ومن خاطب غيره بما يريد منه خلاف ظاهره بدون بيان فإنه لم يبين له ولم يهده.

أم تريد بالظاهر ما فهمته من التمثيل، فهذا غير مراد لكنه ليس ظاهر نصوص الكتاب والسنة، لأن هذا الظاهر الذي فهمته كفر وباطل بالنص والإجماع، ولا يمكن أن يكون ظاهر كلام الله ورسوله كفراً وباطلاً ولا يرتضي ذلك أحد من المسلمين.

وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن نصوص الصفات تجري على ظاهرها اللائق بالله عز وجل من غير تحريف ، وأن ظاهرها لا يقتضي تمثيل الخالق بالمخلوق ، فاتفقوا على أن لله تعالى: حياة، وعلما ً، وقدرة ، وسمعاً، وبصراً ، حقيقة، وأنه مستو على عرشه حقيقة ، وأنه يحب ، ويرضى ، ويكره ، ويغضب حقيقة ، وأن له وجهاً ويدين حقيقة لقوله تعالى: : )وتوكل على الحي الذي لا يموت ( (1). وقوله : ) وهو بكل شيء عليم ( (2). ) وهو على كل شيء قدير ( (3). ) وهو السميع البصير ( (4). وقوله: ) الرحمن على العرش استوى( (5). وقوله فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ( (6).)رضي الله عنهم ورضوا عنه((7))ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم ( (8). ) وغضب الله عليه ولعنه( (9)وقوله ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ((10). بل يداه مبسوطتان((11).

فأجروا هذه النصوص وغيرها من نصوص الصفات على ظاهرها وقالوا : إنه مراد على الوجه اللائق بالله تعالى: فلا تحريف، ولا تمثيل.

وبيان ذلك: أن من صفاتنا ما هو معان وأعراض قائمة بنا كالحياة والعلم، والقدرة. ومنها ما هو أعيان وأجسام وهي أبعاض لنا كالوجه واليدين. ومن المعلوم أن الله وصف نفسه بأنه حي، عليم، قدير، ولم يقل المسلمون : إن المفهوم من حياته، وعلمه، وقدرته، كالمفهوم من حياتنا، وعلمنا وقدرتنا، فكذلك لما وصف نفسه بأن له وجهاً ويدين لم يكن المفهوم من وجهه ويديه كالمفهوم من وجوهنا وأيدينا. وإنما قال المسلمون : إن المفهوم من صفات الله في هذا وهذا لا يماثل المفهوم منها في صفاتنا بل كل صفة تناسب الموصوف وتليق به، فلما كانت ذات الخالق لا تماثل ذوات المخلوقين، فكذلك صفاته لا تماثل صفات المخلوقين. وقد سبق أن القول في الصفات كالقول في الذات.

فتبين بذلك أن من قال: إن ظاهر نصوص الصفات غير مراد فقد أخطأ على كل تقدير، لأنه إن فهم من ظاهرها معنى فاسداً وهو التمثيل فقد أخطأ في فهمه وأصاب في قوله : "غير مراد " وإن فهم من ظاهرها معنى صحيحاً وهو المعنى اللائق بالله فقد أصاب في فهمه وأخطأ في قوله : "غير مراد" فهو إن أصاب في معنى ظاهرها أخطأ في نفي كونه مراداً، وإن أخطأ في معنى ظاهرها أصاب في نفي كونه مراداً، فيكون قوله خطأ على كل تقدير.

والصواب الذي لا خطأ فيه أن ظاهرها مراد، وأنه ليس إلا معنى يليق بالله.

فصل

والذين يجعلون ظاهر النصوص معنى فاسداً فينكرونه يكون خطؤهم على وجهين:

الأول: أن يفسروا النص بمعنى فاسد لا يدل عليه اللفظ فينكرونه لذلك ويقولون: إن ظاهره غير مراد.

مثال ذلك: قوله تعالى: في الحديث القدسي: " يا بن آدم مرضت فلم تعدني، يا بن آدم استطعمتك فلم تطعمني، يا بن آدم استسقيتك فلم تسقني ". الحديث رواه مسلم.

قالوا: فظاهر الحديث أن الله يمرض، ويجوع، ويعطش وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.

فنقول: لو أعطيتم النص حقه لتبين لكم أن هذا المعنى الفاسد ليس ظاهر اللفظ، لأن سياق الحديث يمنع ذلك فقد جاء مفسراً بقول الله تعالى: في الحديث نفسه: " أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، واستسقاك عبدي فلان فلم تسقه". وهذا صريح في أن الله سبحانه لم يمرض، ولم يجع، ولم يعطش، وإنما حصل المرض، والجوع، والعطش من عبد من عباده.

ومثال آخر: قوله تعالى: عن سفينة نوح: ) تجري بأعيننا ( (1).

قالوا: فظاهر الآية أن السفينة تجري في عين الله، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.

فنقول: دعواكم أن ظاهر الآية أن السفينة تجري في عين الله سبحانه مردودة من جهة التركيب اللفظي ومن جهة المعنى أيضاً.

أما التركيب اللفظي: فإنه إذا قال القائل: " فلان يسير بعيني" لم يفهم أحد من هذا التركيب أنه يسير داخل عينيه، ولو ادعى مدع أن هذا ظاهر لفظه لضحك منه السفهاء فضلاً عن العقلاء، وإنما يفهم منه أن عينيه تصحبه بالنظر والرعاية، لأن الباء هنا للمصاحبة وليست للظرفية.

وأما المعنى: فإن من المعلوم أن نوحاً عليه الصلاة والسلام كان في الأرض، وأنه صنع السفينة في الأرض، وجرت على الماء في الأرض كما قال الله تعالى: ) ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ( (2). وقال: ) فدعا ربه أني مغلوب فانتصر. ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر. وفجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قدر. وحملناه على ذات ألواح ودسر. تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر ( (3).

ولا يمكن لأحد أن يدعي أن ظاهر اللفظ أن السفينة تجري في عين الله عز وجل، لأن ذلك ممتنع غاية الامتناع في حق الله تعالى:، ولا يمكن لمن عرف الله، وقدره حق قدره، وعلم أنه مستو على عرشه، بائن من خلقه، ليس حالاً في شيء من مخلوقاته، ولا شيء من مخلوقاته حالاً فيه أن يفهم من هذا اللفظ هذا المعنى الفاسد.

وعلى هذا فمعنى الآية الذي هو ظاهر اللفظ أن السفينة تجري والله تعالى: يكلؤها بعينه.

ومثال ثالث: في الأثر: " الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله، فكأنما صافح الله وقبل يمينه".

قالوا: فظاهر الأثر أن الحجر نفسه يمين الله في الأرض، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.

فنقول: أولاً: هذا الأثر روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد لا يثبت والمشهور أنه عن ابن عباس. قلت: قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح وقال ابن العربي: حديث باطل فلا يلتفت إليه. أهـ.

ثانياً: أنه على تقدير صحته صريح في أن الحجر الأسود ليس نفس يمين الله لأنه قال:"يمين الله في الأرض" فقيده في الأرض ولم يطلق وحكم اللفظ المقيد يخالف المطلق، ومعلوم أن الله تعالى: في السماء، ولأنه قال: " فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقَبّل يمينه " ومعلوم أن المشبه غير المشبه به، فالأثر ظاهر في أن مستلم الحجر ليس مصافحاً لله، وليس الحجر نفس يمين الله فكيف يجعل ظاهره كفراً يحتاج إلى تأويل.

الوجه الثاني: أن يفسروا اللفظ بمعنى صحيح موافق لظاهره لكن يردونه لاعتقادهم أنه باطل وليس بباطل .

مثال ذلك قوله تعالى: ) الرحمن على العرش استوى( (1).

قالوا: فظاهر الآية أن الله علا على العرش، والعرش محدود فيلزم أن يكون الله سبحانه محدوداً، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.

فنقول: إن علو الله تعالى: على عرشه- وإن كان العرش محدوداً - لا يستلزم معنى فاسداً فإن الله تعالى: قد علا على عرشه علواً يليق بجلاله وعظمته، ولا يماثل علو المخلوق على المخلوق، ولا يلزم منه أن يكون الله محدوداً، وهو علو يختص بالعرش، والعرش أعلى المخلوقات فيكون الله تعالى: عالياً على كل شيء وهذا من كماله وكمال صفاته فكيف يكون معنى فاسداً غير مراد؟!

مثال آخر: قوله تعالى: ) بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ( (1). قالوا: فظاهر الآية أن لله تعالى: يدين حقيقيتين وهما جارحة، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.

فنقول: إن ثبوت اليدين الحقيقيتين لله عز وجل لا يستلزم معنى فاسداً، فإن لله تعالى: يدين حقيقيتين تليقان بجلاله وعظمته، بهما يأخذ ويقبض، ولا تماثلان أيدي المخلوقين، وهذا من كماله وكمال صفاته قال الله تعالى: ) وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه ( (2). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما تصدق أحد بصدقة من طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل". فأي معنى فاسد يلزم من ظاهر النص حتى يقال : إنه غير مراد ؟ !

· · وقد يجتمع الخطأ من الوجهين في مثال واحد مثل قوله صلى الله عليه وسلم: " إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء".

فقالوا على الوجه الأول: ظاهر الحديث أن قلوب بني آدم بين أصابع الرحمن فيلزم منه المباشرة والمماسة، وأن تكون أصابع الله سبحانه داخل أجوافنا، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.

وقالوا على الوجه الثاني: ظاهر الحديث أن لله أصابع حقيقية والأصابع جوارح وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.

فنقول على الوجه الأول: إن كون قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن حقيقة لا يلزم منه المباشرة والمماسة، ولا أن تكون أصابع الله عز وجل داخل أجوافنا ألا ترى إلى قوله تعالى: ) والسحاب المسخر بين السماء والأرض ( (3). فإن السحاب لا يباشر السماء ولا الأرض ولا يماسهما.

ويقال: سترة المصلي بين يديه وليست مباشرة له ولا مماسة له.

فإذا كانت البينية لا تستلزم المباشرة والمماسة فيما بين المخلوقات فكيف بالبينية فيما بين المخلوق والخالق الذي وسع كرسيه السموات والأرض وهو بكل شيء محيط، وقد دل السمع والعقل على أن الله تعالى: بائن من خلقه، ولا يحل في شيء من خلقه، ولا يحل فيه شيء من خلقه، وأجمع السلف على ذلك.

ونقول على الوجه الثاني: إن ثبوت الأصابع الحقيقية لله تعالى: لا يستلزم معنى فاسداً، وحينئذ يكون مراداً قطعاً، فإن لله تعالى: أصابع حقيقية تليق بالله عز وجل، ولا تماثل أصابع المخلوقين وفي صحيح البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: " جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع فيقول:أنا الملك فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبرثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ) وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى: عما يشركون ( (1). هذا لفظ البخاري في تفسير سورة الزمر.

فأي معنى فاسد يلزم من ظاهر النص حتى يقال : إنه غير مراد ؟ !

ويشبه هذا الخطأ أن يجعل اللفظ نظيراً لما ليس مثله كما قيل في قوله تعالى: ) لما خلقت بيدي ( (2)إنه مثل قوله تعالى: ) مما عملت أيدينا ( (3)فيكون المراد باليد نفس الفاعل في الآيتين. وهذا غلط فإن الفرق بينهما ثابت من وجوه ثلاثة:

الأول: من حيث الصيغة فإن الله قال في الآية الأولى: ) لما خلقت بيدي (. وهي تخالف الصيغة في الآية الثانية فإن الله قال فيها: ) مما عملت أيدينا (. ولو كانت الأولى نظيرة للثانية لكان لفظها: ( لما خلقت يداي ). فيضاف الخلق إليهما، كما أضيف العمل إليها في الثانية.

الثاني: أن الله تعالى: أضاف في الآية الأولى الفعل إلى نفسه معدى بالباء إلى اليدين فكان سبحانه هو الخالق وكان خلقه بيديه. ألا ترى إلى قول القائل: كتبت بالقلم فإن الكاتب هو فاعل الكتابة، ومدخول الباء وهو القلم حصلت به الكتابة.

وأما الآية الثانية: ) مما عملت أيدينا ( . فأضاف الفعل فيها إلى الأيدي المضافة إليه وإضافة الفعل إلى الأيدي كإضافته إلى النفس فكأنه قال : مما عملنا. ألا ترى إلى قوله تعالى: : ) وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ( (4). والمراد بما كسبتم بدليل قوله في آية أخرى : ) فأصابهم سيئات ما كسبوا ( (5).

الوجه الثالث: أن الله تعالى: أضاف الفعل في الآية الأولى : ) لما خلقت بيدي ( (1)معدى بالباء إلى يدين اثنتين ، ولا يمكن أن يراد بهما نفسه لدلالة التثنية على عدد محصور باثنين ، والرب-جل وعلا-إله واحد فلا يمكن أن يذكر نفسه بصيغة التثنية لدلالة ذلك على صريح العدد وحصره ولكنه تعالى: يذكر نفسه تارة بصيغة الإفراد للتوحيد، وتارة يذكر نفسه بصيغة الجمع للتعظيم، وربما يدل الجمع على معاني أسمائه.

أما في الآية الثانية فأضاف الفعل إلى الأيدي المضافة إليه مجموعة للتعظيم فصار المراد بها نفسه المقدسة جل وعلا.

وبهذا تبين الفرق بين قوله: ) لما خلقت بيدي ( (2). وقوله: ) مما عملت أيدينا ((3)وأنها ليست نظيراً لها. وتبين أيضاً أن ظاهر النصوص في الصفات حق ثابت مراد لله تعالى: على الوجه اللائق به، وأنه لا يستلزم نقصاً في حقه ولا تمثيلاً له بخلقه.

لكن لو كنا نخاطب شخصاً لا يفهم من ظاهرها إلا ما يقتضي التمثيل فإننا نقول له: إن هذا الظاهر الذي فهمته غير مراد، ثم نبين له أن هذا ليس ظاهر النصوص لأنه باطل لا يقتضيه السياق كما سبق بيانه.





القاعدة الرابعة

توهم بعض الناس في نصوص الصفات والمحاذير

المترتبة على ذلك



اعلم أن كثيراً من الناس يتوهم في بعض الصفات التي دلت عليها النصوص، أو كثير منها، أو أكثرها، أو كلها، أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الوهم الذي توهمه فيقع في أربعة محاذير:

الأول : أنه فهم من النصوص صفات تماثل صفات المخلوقين ، وظن أن ذلك هو مدلول النص،وهذا فهم خاطئ، فإن الصفة التي دلت عليها النصوص تناسب موصوفها وتليق به.

وتمثيل الخالق بالمخلوق كفر، وضلال، لأنه تكذيب لقوله تعالى: ) ليس كمثله شيء((1). ولا يمكن أن يكون ظاهر النصوص الكفر والضلال لقوله تعالى: ) يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ( (2). وقوله: ) يبين الله لكم أن تضلوا ( (3).

الثاني: أنه جنى على النصوص حيث نفى ما تدل عليه من المعاني الإلهية، ثم أثبت لها معاني من عنده، لا يدل عليها ظاهر اللفظ، فكان جانياً على النصوص من وجهين.

الثالث: أنه نفى ما دلت عليه النصوص من الصفات بغير علم فيكون بذلك قائلاً على الله ما لا يعلم، وهذا محرم بالنص، والإجماع قال الله تعالى: ) قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ( (4).

الرابع: أنه إذا نفى عن الله عز وجل ما تقتضيه النصوص من صفات الكمال لزم أن يكون الله سبحانه متصفاً بنقيضها من صفات النقص، وذلك لأنه ما من موجود إلا وهو متصف بصفة، ولا يمكن وجود ذات مجردة عن الصفات، فإذا انتفت صفة الكمال عنها، لزم اتصافها بصفات النقص.

وحينئذ يكون من نفى عن الله تعالى: ما تقتضيه النصوص من صفات الكمال، متعدياً في حق الله تعالى:، حيث جمع بين نفي صفات الكمال عنه، وتمثيله بالمنقوصات والمعدومات، بل قد يرتقي به الغلو في النفي إلى تمثيله بالممتنعات المستحيلات.

ويكون أيضاً جانياً على النصوص حيث عطلها عما دلت عليه من صفات الكمال لله تعالى:، وأثبت لها معاني من عنده لا يدل عليها ظاهرها فيجمع بين النفي، والتمثيل في صفات الله، وبين التحريف، والتعطيل في نصوص الكتاب والسنة، ويكون ملحداً في أسماء الله وآياته وقد قال الله تعالى: ) ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ( (1). وقال: ) إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمناً يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير ( (2).

مثال ذلك: أن الله تعالى: أخبر عن نفسه أنه استوى على العرش فيتوهم واهم أنه كاستواء الإنسان على ظهور الفلك والأنعام، وأنه محتاج إلى العرش كحاجة الإنسان للأنعام والفلك، فلو عثرت الدابة لخر المستوي عليها، ولو انخرقت السفينة لغرق المستوي عليها، فقياس هذا أنه لو عدم العرش لسقط الرب على قياسه الفاسد، فينفي بذلك حقيقة الاستواء، ومنشأ هذا الوهم الذي توهمه في استواء الله على عرشه ظنه أنه مثل استواء الإنسان على ظهور الأنعام والفلك وهذا ظن فاسد لأن الله تعالى: أضاف الاستواء إلى نفسه الكريمة، لم يذكر استواء مطلقاً يصلح للمخلوق، ولا عاماً يتناول المخلوق، فتعين أن يكون استواء خاصاً يليق به كسائر صفاته وأفعاله لا يماثل استواء المخلوقين، كما أن الله نفسه لا يماثل المخلوقين.

ألا ترى إلى قوله تعالى: ) والسماء بنيناها بأيد ( (3)هل يتوهم أحد أن بناءه إياها كبناء المخلوق سقف البيت بحيث يحتاج إلى زنبيل، ومجارف وضرب لبن، وجبل طين ونحو ذلك، فإذا كان لا يحتاج إلى ذلك في هذا الفعل من أفعاله، لزم أن لا يكون محتاجاً إلى العرش في استوائه عليه بل هو سبحانه الغني عن العرش وغيره.

فتجد هذا الذي نفى حقيقة الاستواء الذي هو ظاهر النصوص وقع في تلك المحاذير الأربعة:

1. فقد مثل ما فهمه من استواء الله على عرشه باستواء المخلوقين.

2. وعطل النصوص عما دلت عليه من صفة الاستواء اللائق بالله، ثم حرفها إلى معان لا تدل عليها.

3. وكان نفيه لذلك وتعطيله بلا علم، بل عن جهل، وظن فاسد.

4. ولزم من نفيه لصفة الكمال التي تضمنها الاستواء ثبوت صفة نقص بفوات هذا الكمال.

مثال آخر: قوله تعالى: ) أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور ( (1). فيتوهم واهم أن الله تعالى: داخل السماء، وأن السماء تحيط به كما لو قلنا : فلان في الحجرة فإن الحجرة محيطة به، فينفي بناء على هذا الوهم كون الله تعالى: في السماء ويقول: إن الذي في السماء ملكه وسلطانه ونحو ذلك.

ومنشأ هذا الوهم ظنه أن ( في ) التي للظرفية تكون بمعنى واحد في جميع مواردها، وهذا ظن فاسد، فإن ( في ) يختلف معناها بحسب متعلقها فإنه يفرق بين كون الشيء في المكان، وكون العرض في الجسم، وكون الوجه في المرآة، وكون الكلام في الورق المكتوب فيه، فلو قيل: هل العرش في السماء أو في الأرض؟ لقيل : في السماء مع أن العرش أكبر من السماء كثيراً.

وعلى هذا فيخرج قوله: ) أأمنتم من في السماء ( (2)على أحد وجهين:

إما أن تكون السماء بمعنى العلو، فإن السماء يراد بها العلو كما في قوله تعالى: ) وأنزل لكم من السماء ماء ( (3). والمطر ينزل من السحاب المسخر بين السماء والأرض لا من السماء نفسها، فيكون معنى كونه تعالى: في السماء أنه في العلو المطلق فوق جميع المخلوقات، وليس هناك ظرف وجودي يحيط به إذ ليس فوق العالم شيء سوى الله تعالى:.

وإما أن تكون ( في ) بمعنى ( على ) كما جاءت بمعناها في مثل قوله تعالى: ) فسيروا في الأرض ( (4). أي على الأرض وقوله عن فرعون: ) ولأصلبنكم في جذوع النخل ( (5). أي على جذوع النخل وعلى هذا فيكون معنى قوله تعالى: ) أأمنتم من في السماء( (6). أي على السماء أي فوقها والله تعالى: فوق السموات وفوق كل شيء.

فتجد هذا الذي نفى أن يكون الله في السماء حقيقة وقع في المحاذير الأربعة:

1. فقد مثل ما فهمه من كون الله تعالى: في السماء بكون المخلوق في الحجرة ونحو ذلك.

2. وعطل النصوص عما دلت عليه من علو الله تعالى: في السماء، ثم حرفها إلى معان لا تدل عليها.

3. وكان نفيه وتعطيله بلا علم، بل عن جهل، وظن فاسد.

4. ولزم من نفيه لصفة الكمال التي تضمنها كونه في السماء ثبوت صفة النقص، لأن نفيه لصفة العلو يستلزم أحد أمرين ولابد:

فإمّا أن يكون الله تعالى: في كل مكان بذاته والقول بهذا في غاية الضلال والكفر، لأنه يستلزم إما تعدد الخالق، وإما تبعضه، ويستلزم كذلك أن يكون في محلات القذر والأذى التي يتنزه عنها كل ذي مروءة، فضلاً عن الخالق.

وإما أن يكون الله تعالى: لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوق، ولا تحت ولا متصلاً، ولا منفصلاً، ولا مبايناً، ولا محايثاً ونحو ذلك من العبارات المتضمنة للتعطيل المحض، وحقيقة هذا نفي وجود الخالق جل وعلا.

القاعدة الخامسة

في علمنا بما أخبر الله تعالى: به عن نفسه

ما أخبرنا الله به عن نفسه فهو معلوم لنا من جهة، ومجهول من جهة.

معلوم لنا من جهة المعنى، ومجهول لنا من جهة الكيفية.

أما كونه معلوماً لنا من جهة المعنى فثابت بدلالة السمع، والعقل.

فمن أدلة السمع قوله تعالى كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب((1). وقوله أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ( (2). وقوله: ) أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ( (3). وقوله صلى الله عليه وسلم: " خيركم من تعلم القرآن وعلمه".

فحث الله تعالى: على تدبر القرآن كله ولم يستثن شيئاً منه، ووبخ من لم يتدبره، وبين أن الحكمة من إنزاله أن يتدبره الذين أنزل إليهم ويتعظ به أصحاب العقول، ولولا أن له معنى بالتدبر لكان الحث على تدبره من لغو القول، ولكان الاشتغال بتدبره من إضاعة الوقت، ولفاتت الحكمة من إنزاله، ولما حسن التوبيخ على تركه.

والحث على تدبر القرآن شامل لتدبر جميع آياته الخبرية العلمية والحكمية العملية، فكما أننا مأمورون بتدبر آيات الأحكام لفهم معناها والعمل بمقتضاها، إذ لا يمكن العمل بها بدون فهم معناها، فكذلك نحن مأمورون بتدبر آيات الأخبار لفهم معناها، واعتقاد مقتضاها، والثناء على الله تعالى: بها، إذ لا يمكن اعتقاد ما لم نفهمه، أو الثناء على الله تعالى: به.

وأما دلالة العقل على فهم معاني ما أخبر الله تعالى: به عن نفسه فمن وجهين:

أحدهما: أن ما أخبر الله به عن نفسه أعلى مراتب الأخبار وأغلى مطالب الأخيار، فمن المحال أن يكون ما أخبر الله به عن نفسه مجهول المعنى، وما أخبر به عن فرعون، وهامان، وقارون، وعن قوم نوح، وعاد، وثمود، والذين من بعدهم، معلوم المعنى مع أن ضرورة الخلق لفهم معنى ما أخبر الله به عن نفسه أعظم وأشد.

الثاني: أنه من المحال أن ينزل الله تعالى: على عباده كتاباً يعرفهم به بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، ويصفه بأنه عليّ حكيم (1) كريم (2) عظيم (3) مجيد (4)مبين بلسان عربي ليعقل ويفهم (5).

ثم تكون كلماته في أعظم المطالب غير معلومة المعنى، بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يعلمها الناس إلا أماني، ولا يخرجون بعلمها عن صفة الأمية كما قال تعالى: ) ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ( (6).

فإن قلت: ما الجواب عن قوله تعالى: ) هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ( (7). فإن هذا يقتضي أن في القرآن آيات متشابهات لا يعلم تأويلهن إلا الله؟

قلنا: الجواب أن للسلف في الوقف في هذه الآية قولين:

أحدهما: الوقف عند قوله: ) إلا الله (وهو قول جمهور السلف والخلف وبناء عليه يكون المراد بالتأويل في قوله: ) وما يعلم تأويله إلا الله ( الحقيقة التي يؤول الكلام إليها، لا التفسير الذي هو بيان المعنى فتأويل آيات الصفات على هذا هو حقيقة تلك الصفات وكنهها وهذا من الأمور الغيبية التي لا يدركها العقل ولم يرد بها السمع فلا يعلمها إلا الله.

الثاني: الوصل فلا يقفون على قوله: ) إلا الله ( وهو قول جماعة من السلف والخلف، وبناء عليه يكون المراد بالتأويل في قوله: ) وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم (. التفسير الذي هو بيان المعنى.

وهذا معلوم للراسخين في العلم كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: " أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله". وقال مجاهد: " عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عن تفسيرها".

وبهذا تبين أن الآية لا تدل على أن في القرآن شيئاً لا يعلم معناه إلا الله تعالى:، وإنما تدل على أن في القرآن شيئاً لا يعلم حقيقته وكنهه إلا الله، على قراءة الوقف، وتدل على أن الراسخين في العلم يعلمون معنى المتشابه الذي يخفى على كثير من الناس على قراءة الوصل، وعلى هذا فلا تعارض ما ذكرناه من أنه ليس في القرآن شيء لا يعلم معناه.

فصل

وأما كون ما أخبرنا الله به عن نفسه مجهولاً لنا من جهة الكيفية فثابت بدلالة السمع، والعقل.

فأما دلالة السمع فمن وجهين:

الأول: قوله تعالى: ) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً( (1). فإن نفي الإحاطة بالله علماً ، شامل للإحاطة بذاته، وصفاته، فلا يعلم حقيقة ذاته وكنهها إلا هو سبحانه وتعالى:، وكذلك صفاته.

الثاني: أن الله أخبرنا عن ذاته وصفاته، ولم يخبرنا عن كيفيتها، وعقولنا لا تدرك ذلك، فتكون الكيفية مجهولة لنا، لا يحل لنا أن نتكلم فيها أو نقدرها بأذهاننا لقوله تعالى: ) ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً ( (2). وقوله: ) قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله مالا تعلمون ( (3).

وأما دلالة العقل على ذلك: فلأن الشيء لا تدرك كيفيته إلا بمشاهدته، أو بمشاهدة نظيره المساوي له، أو الخبر الصادق عنه، وكل هذه الطرق منتفية في كيفية ذات الله تعالى: وصفاته، فتكون كيفية ذات الله وصفاته مجهولة لنا.

وأيضاً فإننا نقول: ما هي الكيفية التي تقدرها لذات الله تعالى: وصفاته؟ ! إن أي كيفية تقدرها في ذهنك، أو تنطق بها بلسانك فالله أعظم وأجل من ذلك، وإن أي كيفية تقدرها في ذهنك، أو تنطق بها بلسانك فستكون كاذباً فيها، لأنه ليس لك دليل عليها.



تتمة

بهذا التقرير الذي تبين به أنه لا يمكن أن يكون في القرآن شيء لا يعلم معناه إلا الله يتبين بطلان مذهب المفوضة الذين يفوضون علم معاني آيات الصفات ويدعون أن هذا هو مذهب السلف وقد ضلوا فيما ذهبوا إليه، وكذبوا فيما نسبوه إلى السلف، فإن السلف إنما يفوضون علم الكيفية دون علم المعنى، وقد تواترت النقول عنهم بإثبات معاني هذه النصوص إجمالاً أحياناً، وتفصيلاً أحياناً، فمن الإجمال قولهم: " أمروها كما جاءت بلا كيف " ومن التفصيل ما سبق عن مالك في الاستواء.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه " درء تعارض العقل والنقل " المعروف باسم " العقل والنقل" 1/16 المطبوع على هامش منهاج السنة 1/201 تحقيق رشاد سالم " وأما التفويض فمن المعلوم أن الله أمرنا بتدبر القرآن، وحضنا على عقله وفهمه، فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله". إلى أن قال: " فعلى قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص، ولا الملائكة، ولا السابقون الأولون، وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن، أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه، بل يقولون كلاماً لا يعقلون معناه". قال: " ومعلوم أن هذا قدح في القرآن، والأنبياء إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدى وبياناً للناس، وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نزل إليهم، وأمر بتدبر القرآن وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته، أو عن كونه خالقاً لكل شيء وهو بكل شيء عليم، أو عن كونه أمر، ونهى، ووعد وتوعد، أو عما أخبر به عن اليوم الآخر لا يعلم أحد معناه فلا يعقل، ولا يتدبر، ولا يكون الرسول بين للناس ما نزل إليهم، ولا بلغ البلاغ المبين، وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك، لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة، ولا يعلم أحد معناها ومالا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدل به، فيبقى هذا الكلام سداً لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحاً لباب من يعارضهم ويقول : إن الهدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء، لأنا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون، فضلاً عن أن يبينوا مرادهم، فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد". اهـ كلامه رحمه الله.

فصل

في التأويل

التأويل لغة: ترجيع الشيء إلى الغاية المرادة منه، من الأوْل وهو الرجوع.

وفي الاصطلاح: رد الكلام إلى الغاية المرادة منه، بشرح معناه، أو حصول مقتضاه ويطلق على ثلاثة معان:

الأول: " التفسير " وهو توضيح الكلام بذكر معناه المراد به ومنه قوله تعالى: عن صاحبي السجن يخاطبان يوسف: ) نبئنا بتأويله ( (1). وقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ". وسبق قول ابن عباس رضي الله عنهما:" أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله". ومنه قول ابن جرير وغيره من المفسرين : " تأويل قوله تعالى:" أي تفسيره.

والتأويل بهذا المعنى معلوم لأهل العلم.

المعنى الثاني: مآل الكلام إلى حقيقته، فإن كان خبراً فتأويله نفس حقيقة المخبر عنه وذلك في حق الله كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره وإن كان طلباً فتأويله امتثال المطلوب.

مثال الخبر: قوله تعالى: ) هل ينظرون إلا تأويله ( (2). أي ما ينتظر هؤلاء المكذبون إلا وقوع حقيقة ما أخبروا به من البعث والجزاء، ومنه قوله تعالى: عن يوسف: ) هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً ( (3).

ومثال الطلب: قول عائشة رضي الله عنها : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي يتأول القرآن " أي يمتثل ما أمره الله به في قوله إذا جاء نصر الله والفتح .ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً . فسبح بحمد ربك وأستغفره إنه كان تواباً ( (4).

وتقول : فلان لا يتعامل بالربا يتأول قول الله تعالى: ) وأحل الله البيع وحرم الربا ((5).

والتأويل بهذا المعنى مجهول حتى يقع فيدرك واقعاً.

فأما قوله تعالى: ) وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ( (6). فيحتمل أن يكون المراد بالتأويل فيها التفسير، ويحتمل أن يكون المراد به مآل الكلام إلى حقيقته بناء على الوقف فيها والوصل. فعلى قراءة الوقف عند قوله: ) إلا الله (. يتعين أن يكون المراد به مآل الكلام إلى حقيقته، لأن حقائق ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر لا يعلمها إلا الله عز وجل، وعلى قراءة الوصل يتعين أن يكون المراد به التفسير، لأن تفسيره معلوم للراسخين في العلم فلا يختص علمه بالله تعالى:.

فنحن نعلم معنى الاستواء أنه العلو والاستقرار، وهذا هو التأويل المعلوم لنا، لكننا نجهل كيفيته وحقيقته التي هو عليها وهذا هو التأويل المجهول لنا، وكذلك نعلم معاني ما أخبرنا الله به من أسمائه وصفاته، ونميز الفرق بين هذه المعاني فنعلم معنى الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر ونحو ذلك ونعلم أن الحياة ليست هي العلم، وأن العلم ليس هو القدرة وأن القدرة ليست هي السمع، وأن السمع ليس هو البصر، وهكذا بقية الصفات والأسماء، لكننا نجهل حقائق هذه المعاني وكنهها الذي هي عليه بالنسبة إلى الله عز وجل.

وهذان المعنيان للتأويل هما المعنيان المعروفان في الكتاب، والسنة وكلام السلف.

المعنى الثالث للتأويل: صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقتضيه. وإن شئت فقل: صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى يخالف الظاهر لدليل يقتضيه. وهذا اصطلاح كثير من المتأخرين الذين تكلموا في الفقه وأصوله وهو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويل نصوص الصفات وهل هو محمود، أومذموم، وهل هو حق، أو باطل؟

والتحقيق: أنه إن دل عليه دليل صحيح فهو حق محمود يعمل به ويكون من المعنى الأول للتأويل وهو التفسير، لأن تفسير الكلام تأويله إلى ما أراده المتكلم به سواء كان على ظاهره أم على خلاف ظاهره ما دمنا نعلم أنه مراد المتكلم.

مثال ذلك قوله تعالى: ) أتى أمر الله فلا تستعجلوه ( (1). فإن الله تعالى: يخوف عباده بإتيان أمره المستقبل، وليس يخبرهم بأمر أتى وانقضى بدليل قوله: ) فلا تستعجلوه (. ومنه قوله تعالى: ) فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ( (2). فإن ظاهر اللفظ إذا فرغت من القراءة والمراد إذا أردت أن تقرأ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ إذا أراد أن يقرأ لا إذا فرغ من القراءة.

وإن لم يدل عليه دليل صحيح كان باطلاً مذموماً، وجديراً بأن يسمى تحريفاً لا تأويلاً.

مثال ذلك قوله تعالى: ) الرحمن على العرش استوى ( (1). فإن ظاهره أن الله تعالى: علا على العرش علواً خاصاً يليق بالله عز وجل وهذا هو المراد فتأويله إلى أن معناه استولى وملك، تأويل باطل مذموم، وتحريف للكلم عن مواضعه لأنه ليس عليه دليل صحيح.

فصل

اعلم أن الله تعالى: وصف القرآن بأنه محكم، وبأنه متشابه، وبأن بعضه محكم وبعضه متشابه.

فالأول كقوله تعالى: ) تلك آيات الكتاب الحكيم ( (1).

والثاني كقوله: ) الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً ( (2).

والثالث كقوله: ) هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ( (3).

فالإحكام الذي وصف به جميع القرآن هو: الإتقان والجودة في اللفظ والمعنى، فألفاظ القرآن كله في أكمل البيان، والفصاحة، والبلاغة، ومعانيه أكمل المعاني، وأجلها، وأنفعها للخلق حيث تتضمن كمال الصدق في الأخبار وكمال الرشد والعدل في الأحكام كما قال الله تعالى: )وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً ( (4).

والتشابه الذي وصف به جميع القرآن هو تشابه القرآن في الكمال والإتقان، والائتلاف، فلا يناقض بعضه بعضاً في الأحكام، ولا يكذب بعضه بعضاً في الأخبار كما قال الله تعالى: )أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ( (5).

والإحكام الذي وصف به بعض القرآن هو: الوضوح، والظهور بحيث يكون معناه واضحاً بيناً لا يشتبه على أحد وهذا كثير في الأخبار والأحكام.

مثاله في الأخبار قوله تعالى: ) شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ( (6)فكل أحد يعرف شهر رمضان وكل أحد يعرف القرآن.

ومثاله في الأحكام قوله تعالى: ) وبالوالدين إحساناً ( (7). فكل أحد يعرف والديه وكل أحد يعرف الإحسان.

وأما التشابه الذي وصف به بعض القرآن فهو: الاشتباه أي خفاء المعنى بحيث يشتبه على بعض الناس دون غيرهم، فيعلمه الراسخون في العلم دون غيرهم.



موقفنا من اختلاف هذه الأوصاف

وكيفية الجمع بينها

موقفنا من اختلاف هذه الأوصاف وكيف نجمع بينها أن نقول:

إن وصف القرآن جميعه بالإحكام، ووصفه جميعه بالتشابه لا يتعارضان والجمع بينهما: أن الكلام المحكم المتقن يشبه بعضه بعضاً في الكمال، والصدق فلا يتناقض في أحكامه، ولا يتكاذب في أخباره.

وأما وصف القرآن بأن بعضه محكم وبعضه متشابه فلا تعارض بينهما أصلاً، لأن كل وصف وارد على محل لم يرد عليه الآخر، فبعض القرآن محكم ظاهر المعنى، وبعضه متشابه خفي المعنى، وقد انقسم الناس في ذلك إلى قسمين:

فالراسخون في العلم يقولون: آمنا به كل من عند ربنا، وإذا كان من عنده فلن يكون فيه اشتباه يستلزم ضلالاً، أو تناقضاً، ويردون المتشابه إلى المحكم فصار مآل المتشابه إلى الإحكام.

وأما أهل الضلال والزيغ فاتبعوا المتشابه وجعلوه مثاراً للشك والتشكيك فضلوا، وأضلوا وتوهموا بهذا المتشابه مالا يليق بالله عز وجل ولا بكتابه ولا برسوله.

مثال الأول(1): قوله تعالى: ) إنا نحن نحيي الموتى ( (2). وقوله: ) إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون( (3). ونحوهما مما أضاف الله فيه الشيء إلى نفسه بصفة الجمع ، فاتبع النصراني هذا المتشابه وادعى تعدد الآلهة وقال : إن الله ثالث ثلاثة ، وترك المحكم الدال على أن الله واحد.

وأما الراسخون في العلم: فيحملون الجمع على التعظيم لتعدد صفات الله وعظمها، ويردون هذا المتشابه إلى المحكم في قوله تعالى: ) وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ( (4). ويقولون للنصراني: إن الدعوى التي ادعيت بما وقع لك من الاشتباه قد كفرك الله بها وكذبك فيها فاستمع إلى قوله تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد((5). أي كفروا بقولهم : إن الله ثالث ثلاثة.

ومثال الثاني(1): قوله تعالى: لنبيه صلى الله عليه وسلم إنك لا تهدي من أحببت ( (2). وقوله: ) وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ( (3). ففي الآيتين موهم تعارض فيتبعه من في قلبه زيغ ويظن بينهما تناقضاً وهو النفي في الأولى ، والإثبات في الثانية. فيقول: في القرآن تناقض.

وأما الراسخون في العلم فيقولون: لا تناقض في الآيتين فالمراد بالهداية في الآية الأولى هداية التوفيق، وهذه لا يملكها إلا الله وحده فلا يملكها الرسول ولا غيره. والمراد بها في الآية الثانية هداية الدلالة وهذه تكون من الله تعالى:، ومن غيره فتكون من الرسل وورثتهم من العلماء الربانيين.

ومثال الثالث(4):قوله تعالى: لنبيه صلى الله عليه وسلم: ) فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين((5). ففي الآية ما يوهم وقوع الشك من النبي صلى الله عليه وسلم مما أنزل إليه فيتبعه من في قلبه زيغ فيدعي أن النبي صلى الله عليه وسلم وقع منه ذلك فيطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما الراسخون في العلم فيقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقع منه شك ولا امتراء فيما أنزل إليه، كيف وقد شهد الله له بالإيمان في قوله تعالى: ) آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ( (6). وقوله: )فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون((7)

ويقولون: إن مثل هذا التعبير ) فإن كنت في شك ( لا يلزم منه وقوع الشرط بل ولا إمكانه كقوله تعالى: ) قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ( (9). فإن وجود الولد لله عز وجل ممتنع غاية الامتناع كما قال تعالى: ) وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً ( (10). فكذلك الشك والامتراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أنزل إليه ممتنع غاية الامتناع ولكن جاءت العبارة بهذه الصيغة الشرطية لتأكيد امتناع الشك والامتراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أنزل إليه من الله عز وجل.

فإن قلت: ما الحكمة من كون بعض القرآن متشابهاً ؟

فالجواب: أن الحكمة من ذلك ابتلاء العباد واختبارهم ليتبين الصادق في إيمانه الراسخ في عمله الذي يؤمن بالله وكلماته، ويعلم أن كلام الله عز وجل ليس فيه تناقض، ولا اختلاف، فيرد ما تشابه منه إلى ما كان محكماً، ليصير كله محكماً من الشاك الجاهل الزائغ الذي يتبع ما تشابه منه، ليضرب كتاب الله تعالى: بعضه ببعض، فيضل ويضل، ويكون إماماً في الضلال والشقاء فيفتن الناس في دينهم، ويوقعهم في الشك والحيرة، ويفتن بعضهم ببعض ) فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب . ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ( (1).



تتمة

التشابه الواقع في القرآن نوعان: حقيقي ونسبي:

فالحقيقي: ما لا يعلمه إلا الله عز وجل مثل: حقيقة ما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر فإنا- " وإن كنا نعلم معاني تلك الأخبار" - لا نعلم حقائقها وكنهها كما قال الله تعالى: عن نفسه: ) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً ( (1). وقال: ) لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار( (2). وقال عما في اليوم الآخر: ) فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون( (3). وفي الحديث القدسي الثابت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قال: " أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر".

فما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر فيه ألفاظ متشابهة تشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا، كما أخبر عن نفسه أنه حي، عليم، قدير، سميع، بصير، ونحو ذلك، ونحن نعلم أن ما دلت عليه هذه الأسماء من الصفات ليس مماثلاً في الحقيقة لما للمخلوق منها، فحقيقتها لا يعلم معناها إلا الله. كما نعلم أن في الجنة لحماً، ولبناً، وعسلاً، وماء، وخمراً، ونحو ذلك، ولكن ليس حقيقة ذلك من جنس ما في الدنيا، وحينئذ لا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى:.

والإخبار عن الغائب لا يفهم إن لم يعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، ويعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد، مع العلم بالفارق المميز، وأن ما أخبر الله به من الغيب أعظم مما يعلم في الشاهد.

وهذا النوع الذي لا يعلمه إلا الله لا يسأل عنه لتعذر الوصول إليه.

وأما النسبي: فهو ما يكون مشتبهاً على بعض الناس دون بعض، فيعلم منه الراسخون في العلم والإيمان ما يخفى على غيرهم، إما لنقص في علمهم أو تقصير في طلبهم، أو قصور في فهمهم، أو سوء في قصدهم.

وهذا النوع يسأل عن بيانه، لأنه يمكن الوصول إليه إذ ليس في القرآن شيء لا يتبين معناه لأحد من الناس كيف وقد قال الله عز وجل: ) ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ( (4). وقال: ) هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ( (5).



وقال: ) فإذا قرأناه فاتبع قرآنه .ثم إن علينا بيانه ( (1). وقال: ) يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً( (2). وقال: )شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان( (3).

ولهذا النوع أمثلة كثيرة في المسائل العلمية الخبرية، والمسائل العملية الحكمية وغالب المسائل التي اختلف الناس فيها أو كلها من هذا النوع.

فمن أمثلة ذلك في المسائل العلمية الخبرية: قوله تعالى: ) ليس كمثله شيء ( (4). حيث اشتبه على النفاة أهل التعطيل ففهموا منه انتفاء الصفات عن الله تعالى:، ظناً منهم أن إثباتها يستلزم مماثلة الله تعالى: للمخلوقين فنفوا عن الله تعالى: ما وصف به نفسه أو بعضه، وأعرضوا عن الأدلة السمعية، والعقلية الدالة على ثبوت صفات الكمال لله عز وجل، وغفلوا عن كون الاشتراك في أصل المعنى لا يستلزم المماثلة في الحقيقة.

ثم لو أمعنوا في النظر في هذا المنفي)ليس كمثله شيء(.لتبين لهم أنه يدل على ثبوت الصفات لا على انتفائها،لأن نفي المماثلة يدل على ثبوت أصل المعنى لكن لكماله تعالى: لا يماثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولولا ثبوت أصل الصفة لم يكن لنفي المثل فائدة.

ومن أمثلة ذلك في المسائل العملية الحكمية قوله صلى الله عليه وسلم: " صلوا كما رأيتموني أصلي". حيث اشتبه على بعض الناس ففهموا منه أنه شامل للكمية والكيفية وبنوا على ذلك أنه لا تجوز الزيادة في صلاة الليل على العدد الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم به، فلا يزاد في التراويح في رمضان على إحدى عشرة، أو ثلاث عشرة ركعة، ولكن من تأمل الحديث وجده دالاً على الكيفية فقط، دون الكمية إلا أن تكون الكمية في ضمن الكيفية كعدد الصلاة الواحدة ويدل لذلك ما ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: ما ترى في صلاة الليل؟ قال: " مثنى مثنى فإذا خشي الصبح صلى واحدة فأوترت له ما صلى ". وفي رواية أن السائل قال:كيف صلاة الليل؟ ولو كان عدد قيام الليل محصوراً لبينه النبي صلى الله عليه وسلم لهذا السائل ولهذا كان الراجح أن يقتصر في قيام الليل على إحدى عشرة أو ثلاث عشرة وإن زاد على ذلك فلا بأس.وأمثلة ذلك كثيرة، تعلم من كتب الفقه المعنية بذكر الخلاف والترجيح بين الأقوال، والله المستعان.



القاعدة السادسة

في ضابط ما يجوز لله ويمتنع عنه نفياً وإثباتاً

صفات الله تعالى: دائرة بين النفي والإثبات-كما سبق -فلابد من ضابط لهذا وذاك.

فالضابط في النفي أن ينفى عن الله تعالى:

أولاً: كل صفة عيب كالعمى والصمم والخرس والنوم والموت ونحو ذلك.

ثانياً: كل نقص في كماله كنقص حياته أو علمه أو قدرته أو عزته أو حكمته أو نحو ذلك.

ثالثاً: مماثلته للمخلوقين كأن يجعل علمه كعلم المخلوق أو وجهه كوجه المخلوق أو استواؤه على عرشه كاستواء المخلوق ونحو ذلك.

فمن أدلة انتفاء الأول عنه: قوله تعالى: ) ولله المثل الأعلى ( فإن ثبوت المثل الأعلى له وهو الوصف الأعلى يستلزم انتفاء كل صفة عيب.

ومن أدلة انتفاء الثاني: قوله تعالى: ) ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب(.

ومن أدلة انتفاء الثالث: قوله تعالى: ) ليس كمثله شيء (.

وبهذا علم أنه لا يصح الاعتماد في ضابط النفي على مجرد نفي التشبيه وذلك لوجهين:

الأول: أنه إن أريد بالنفي نفي التشابه المطلق - أي نفي التساوي من كل وجه بين الخالق والمخلوق - فإن هذا لغو من القول إذ لم يقل أحد بتساوي الخالق والمخلوق من كل وجه بحيث يثبت لأحدهما من الجائز والممتنع، والواجب ما يثبت للآخر، ولا يمكن أن يقوله عاقل يتصور ما يقول فإنه مما يعلم بضرورة العقل، وبداهة الحس انتفاؤه وإذا كان كذلك لم يكن لنفيه فائدة.

وإن أريد بالنفي نفي مطلق التشابه - أي نفي التشابه من بعض الوجوه - فهذا النفي لا يصح إذ ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك يشتركان فيه، وقدر مختص يتميز به كل واحد عن الآخر فيتشابهان من وجه ويفترقان من وجه.

فالحياة " مثلاً " وصف مشترك بين الخالق والمخلوق قال الله تعالى: ) وتوكل على الحي الذي لا يموت ( (1). وقال: ) يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ( (2).



لكن حياة الخالق تختص به فهي حياة كاملة من جميع الوجوه لم تسبق بعدم ولا يلحقها فناء، بخلاف حياة المخلوق فإنها حياة ناقصة مسبوقة بعدم متلوة بفناء قال الله تعالى: ) كل من عليها فان . ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ( (1).

فالقدر المشترك " وهو مطلق الحياة " كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر، لكن ما يختص به كل واحد ويتميز به لم يقع فيه اشتراك وحينئذ لا محذور من الاشتراك في هذا المعنى الكلي، وإنما المحذور أن يجعل أحدهما مشاركاً للآخر فيما يختص به.

ثم إن إرادة ذلك ـ أعني نفي مطلق التشابه ـ تستلزم التعطيل المحض، لأنه إذا نفى عن الله تعالى: صفة الوجود " مثلاً " بحجة أن للمخلوق صفة وجود فإثباتها للخالق يستلزم التشبيه على هذا التقدير، لزم على نفيه أن يكون الخالق معدوماً، ثم يلزمه على هذا اللازم الفاسد أن يقع في تشبيه آخر وهو تشبيه الخالق بالمعدوم لاشتراكهما في صفة العدم فيلزمه على قاعدته تشبيهه بالمعدوم فإن نفى عنه الوجود والعدم، وقع في تشبيه ثالث أشد وهو تشبيهه بالممتنعات لأن الوجود والعدم نقيضان يمتنع انتفاؤهما كما يمتنع اجتماعهما.

فإن قال قائل: إن الشيء إذا شارك غيره من وجه جاز عليه من ذلك الوجه ما يجوز على الآخر، وامتنع عليه ما يمتنع، ووجب له ما يجب؟

فالجواب من وجهين:

أحدهما: المنع فيقال : لا يلزم من اشتراك الخالق والمخلوق في أصل الصفة أن يتماثلا فيما يجوز ويمتنع ويجب، لأن مطلق المشاركة لا يستلزم المماثلة.

الثاني: التسليم فيقال : هب أن الأمر كذلك، ولكن إذا كان ذلك القدر المشترك لا يستلزم إثبات ما يمتنع على الرب سبحانه، ولا نفي ما يستحقه لم يكن ممتنعاً، فإذا اشتركا في صفة الوجود، والحياة والعلم، والقدرة واختص كل موصوف بما يستحقه ويليق به، كان اشتراكهما في ذلك أمراً ممكناً لا محذور فيه أصلاً، بل إثبات هذا من لوازم الوجود، فإن كل موجودين لابد بينهما من مثل هذا، ومن نفاه لزمه تعطيل وجود كل موجود، لأن نفي القدر المشترك يلزم منه التعطيل العام.

وهذا الموضع من فهمه فهماً جيداً وتدبره زالت عنه عامة الشبهات وانكشف له غلط كثير من الأذكياء في هذا المقام.

فصل

الوجه الثاني: مما يدل على أنه لا يصح الاعتماد في ضابط النفي على مجرد نفي التشبيه: أن الناس اختلفوا في تفسير التشبيه، فقد يفسره بعضهم بما لا يراه الآخرون تشبيهاً.

مثال ذلك مع المعتزلة ومن سلك طريقهم من النفاة:أنهم جعلوا من أثبت لله تعالى: علماً قديماً، أوقدرة قديمة مشبهاً ممثلاً،لأن القدم أخص وصف الإله عند جمهورهم، فمن أثبت له علماً قديماً،أو قدرة قديمة فقد أثبت له مثيلاً.والمثبتون يجيبونهم بالمنع تارة،وبالتسليم تارة.

أما المنع فيقولون: ليس القدم أخص وصف الإله، وإنما أخص وصف الإله ما لا يتصف به غيره، مثل: كونه رب العالمين، وأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه الإله ونحو ذلك. والصفات وإن وصفت بالقدم كما توصف به الذات لا يقتضي ذلك أن تكون إلهاً أو رباً أو نحو ذلك كما أن النبي مثلاً يوصف بالحدوث، وتوصف صفاته بالحدوث، ولا يقتضي ذلك أن تكون صفاته نبياً.

وعلى هذا فلا يكون إثبات الصفات القديمة لله تعالى: تمثيلاً، ولا تشبيهاً.

وأما التسليم فيقولون: نحن وإن سلمنا أن هذا المعنى قد يسمى في اصطلاح بعض الناس تشبيهاً، أو تمثيلاً فإنه لم ينفه عقل، ولا سمع وحينئذ فلا مانع من إثباته.

فالقرآن إنما نفى مسمى المثل، والكفء، والند ونحو ذلك والصفة في لغة العرب التي نزل بها القرآن ليست مثل الموصوف، ولا كفؤاً له، ولا نداً فلا تدخل فيما نفاه القرآن.

فالواجب نفي ما نفته الأدلة الشرعية، والعقلية فقط.

مثال آخر: مع الأشاعرة ونحوهم ممن ينفي علوه على عرشه ونحوه دون صفة الحياة، والعلم، والقدرة ونحوها فيقول: إن هذه الصفات قد تقوم بما ليس بجسم بخلاف العلو فإنه لا يقوم إلا بجسم فلو أثبتناه لزم أن يكون جسماً، والأجسام متماثلة فيلزم التشبيه.

والمثبتون يجيبونهم تارة بمنع المقدمة الأولى وهي قولهم : " إن العلو لا يقوم إلا بجسم" وتارة بمنع المقدمة الثانية وهي قولهم : " إن الأجسام متماثلة " وتارة بمنع المقدمتين، وتارة بالاستفصال. فيقولون: إن أردتم بالجسم جسماً مؤلفاً من لحم وعظم وأجزاء يفتقر بعضها إلى بعض، أو يحتاج إلى مقومات خارجية، فهذا ممتنع بالنسبة إلى الله الغني الحميد، وليس بلازم من إثبات الصفات. وإن أردتم بالجسم ما كان قائماً بنفسه موصوفاً بالصفات اللائقة به، فهذا حق ثابت لله عز وجل ولا يلزم عليه شيء من اللوازم الباطلة.

وإذا تبين اختلاف الناس في تفسير التشبيه صار الاعتماد على مجرد نفيه باطلاً، لأنه يلزم منه نفي صفات الكمال عن الله تعالى: عند من يرى أن إثباتها يستلزم التشبيه.

وعلى هذا فالضابط الصحيح فيما ينفى عن الله تعالى: ما سبق في أول القاعدة.

فصل

فإذا تبين أنه لا يصح الاعتماد في ضابط النفي على مجرد نفي التشبيه وأنه طريق فاسد، فإن أفسد منه ما يسلكه بعض الناس حيث يعتمدون فيما ينفى عن الله تعالى: على نفي التجسيم والتحيز ونحو ذلك، فتجدهم إذا أرادوا أن يحتجوا على من وصف الله تعالى: بالنقائص من الحزن، والبكاء، والمرض، والولادة ونحوها يقولون له : لو اتصف الله بذلك لكان جسماً، أو متحيزاً، وهذا ممتنع هذه حجتهم عليه.

وهذه طريقة فاسدة لا يحصل بها المقصود لوجوه:

الأول: أن لفظ " الجسم " و " الجوهر " و" التحيز " ونحوها عبارات مجملة مشتبهة لا تحق حقاً، ولا تبطل باطلاً، ولذلك لم تذكر فيما وصف الله وسمى به نفسه لا نفياً ولا إثباتاً، لا في كتاب الله تعالى:، ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يسلكه أحد من سلف الأمة وأئمتها، وإنما هي عبارات مبتدعة أنكرها السلف والأئمة.

الثاني: أن وصف الله تعالى: بهذه النقائص أظهر فساداً في العقل والدين من وصفه بالتحيز والتجسيم، فإن كفر من وصفه بهذه النقائص معلوم بالضرورة من الدين، بخلاف التحيز والتجسيم لما فيهما من الاشتباه والخفاء.

وإذا كان وصف الله تعالى: بهذه النقائص أظهر فساداً من وصفه بالحيز والجسم، فإنه لا يصح الاستدلال بالأخفى على الأظهر، لأن الدليل مبين للمدلول ومثبت له، فلابد أن يكون أبين وأظهر منه.

الثالث: أن من وصفوه بهذه النقائص يمكنهم أن يقولوا : نحن نصفه بذلك ولا نقول بالتجسيم والتحيز كما يقوله من يثبت لله صفات الكمال مع نفي القول بالتجسيم والتحيز فيكون كلام من يصف الله بصفات الكمال ومن يصفه بصفات النقص واحداً، ويبقى الرد عليهما بطريق واحد وهو أن الإثبات مستلزم للتجسيم والتحيز وهذا في غاية الفساد والبطلان.

الرابع: أن الذين اعتمدوا في ضابط ما ينفى عن الله على نفي التجسيم والتحيز نفوا عن الله تعالى: صفات الكمال بهذه الطريقة.

واتصاف الله تعالى: بصفات الكمال واجب ثابت بالسمع، والعقل فيكون كل ما اقتضى نفيه باطلاً بالسمع والعقل، وبه يتبين فساد تلك الطريقة وبطلانها.

الخامس: أن سالكي هذه الطريقة متناقضون فكل من أثبت شيئاً ونفى غيره ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من الإثبات، وكل من نفى شيئاً وأثبت غيره ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من النفي.

مثال ذلك: أن من أثبتوا لله تعالى: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع والبصر، والكلام دون غيرها من الصفات قال لهم نفاة ذلك كالمعتزلة : إثبات هذه تجسيم لأن هذه الصفات أعراض، والعرض لا يقوم إلا بجسم.

فيرد عليهم أولئك بأنكم أنتم أثبتم أنه حي، عليم، قدير، وقلتم : ليس بجسم مع أنكم لا تعرفون حياً، عالماً قادراً إلا جسماً فأثبتموه على خلاف ما عرفتم فكذلك نحن نثبت هذه الصفات ولا نقول : إنه جسم فهذا تناقض المعتزلة، أما تناقض خصومهم الذين أثبتوا الصفات السبع السابقة دون غيرها فقد قالوا لمن أثبت صفة الرضا، والغضب، ونحوها: إثبات الرضا والغضب، والاستواء، والنزول، والوجه، واليدين ونحوها تجسيم لأننا لا نعرف ما يوصف بذلك إلا ما هو جسم.

فيرد عليهم المثبتة بأنكم أنتم وصفتموه بالحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام ولا يعرف ما يوصف بذلك إلا ما هو جسم، فإن لزمنا التجسيم فيما أثبتناه لزمكم فيما أثبتموه، وإن لم يلزمكم فيما أثبتموه لم يلزمنا فيما أثبتناه وإن ألزمتمونا به، لأنه لا فرق بين الأمرين وتفريقكم بينهما تناقض منكم.

فصل

وأما الضابط في باب الإثبات فأن نثبت لله تعالى: ما أثبته لنفسه من صفات الكمال على وجه لا نقص فيه بأي حال من الأحوال لقوله تعالى: ) ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم((1). والمثل الأعلى هو الوصف الأكمل الذي لا يماثله شيء.

فصفات الله تعالى: كلها صفات كمال، سواء كانت صفات ثبوت، أم صفات نفي وقد سبق أن النفي المحض لا يوجد في صفات الله تعالى:،وأن المقصود بصفات النفي نفي تلك الصفة لاتصافه بكمال ضدها.

ولهذا لا يصح في ضابط الإثبات أن نعتمد على مجرد الإثبات بلا تشبيه لأنه لو صح ذلك لجاز أن يثبت المفتري لله سبحانه كل صفة نقص مع نفي التشبيه، فيصفه بالحزن، والبكاء، والجوع، والعطش ونحوها مما ينزه الله عنه مع نفي التشبيه، فيقول: إن الله يحزن لا كحزن العباد، ويبكي لا كبكائهم، ويجوع لا كجوعهم، ويعطش لا كعطشهم، ويأكل لا كأكلهم، كما أنه يفرح لا كفرحهم، ويضحك لا كضحكهم، ويتكلم لا ككلامهم.

ولجاز أيضاً أن يثبت المفتري لله سبحانه أعضاء كثيرة مع نفي التشبيه فيقول: إن لله تعالى: كبداً لا كأكباد العباد، وأمعاء لا كأمعائهم، ونحو ذلك مما ينزه الله تعالى: عنه، كما أن له وجهاً لا كوجوههم، ويدين لا كأيديهم.

ثم يقول المفتري لمن نفى ذلك وأثبت الفرح، والضحك، والكلام، والوجه، واليدين :أي فرق بين ما نفيت وما أثبت، إذا جعلت مجرد نفي التشبيه كافياً في الإثبات فأنا لم أخرج عن هذا الضابط فإني أثبت ذلك بدون تشبيه.

فإن قال النافي: الفرق هو السمع ( أي الدليل من الكتاب والسنة) فما جاء به الدليل أثبته وما لم يجىء به لم أثبته.

قال المفتري: السمع خبر والخبر دليل على المخبر عنه، والدليل لا ينعكس فلا يلزم من عدمه عدم المدلول عليه لأنه قد يثبت بدليل آخر فما لم يرد به السمع يجوز أن يكون ثابتاً في نفس الأمر وإن لم يرد به السمع ومن المعلوم أن السمع لم يرد بنفي كل هذه الأمور بأسمائها الخاصة فلم يرد بنفي الحزن، والبكاء، والجوع، والعطش، ونفي الكبد، والمعدة، والأمعاء وإذا لم يرد بنفيها جاز أن تكون ثابتة في نفس الأمر فلا يجوز نفيها بلا دليل، وبهذا ينقطع النافي لهذه الصفات، حيث اعتمد فيما ينفيه على مجرد نفي التشبيه ويعلم أنه لا يصح الاعتماد عليها، وإنما الاعتماد على ما دل عليه السمع والعقل من وصف الله تعالى: بصفات الكمال على وجه لا نقص فيه، وعلى هذا فكل ما ينافي صفات الكمال الثابتة لله، فالله منزه عنه لأن ثبوت أحد الضدين نفي للآخر ولما يستلزمه.

وبهذا يمكن دفع ما أثبته هذا المفتري لله تعالى: من صفات النقص فيقال: الحزن، والبكاء، والجوع، والعطش صفات نقص منافية لكماله فتكون منتفية عن الله ويقال أيضاً: الأكل، والشرب مستلزم للحاجة والحاجة نقص وما استلزم النقص فهو نقص. ويقال أيضاً: الكبد، والمعدة، والأمعاء آلات الأكل والشرب والمنزه عن الأكل والشرب منزه عن آلات ذلك.

وأما الفرح، والضحك، والغضب، ونحوها فهي صفات كمال لا نقص فيها فلا تنتفي عنه لكنها لا تماثل ما يتصف به المخلوق منها فإنه سبحانه لا كفؤ له، ولا سمي، ولا مثل فلا يجوز أن تكون حقيقة ذاته كحقيقة شيء من ذوات المخلوقين ولا حقيقة شيء من صفاته كحقيقة شيء من صفات المخلوقين لأنه ليس من جنس المخلوقات، لا الملائكة، ولا الآدميين، ولا السموات، ولا الكواكب، ولا الهواء، ولا الأرض ولا غير ذلك.

بل يعلم أن حقيقته عن مماثلة شيء من الموجودات أبعد من سائر الحقائق، لأن الحقيقتين إذا تماثلتا جاز على الواحدة ما يجوز على الأخرى ووجب لها ما يجب للأخرى، وامتنع عليها ما يمتنع على الأخرى، فيلزم أن يجوز على الخالق الواجب بنفسه ما يجوز على المخلوق المحدث، وأن يثبت لهذا المخلوق ما يثبت للخالق فيكون الشيء الواحد واجباً بنفسه غير واجب بنفسه، موجوداً معدوماً، وهذا جمع بين النقيضين.

فصل

الأصل الثاني

في القدر والشرع (1)
القدر تقدير الله تعالى: لما كان وما يكون أزلاً وأبداً.

والإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل حين سأله عن الإيمان فقال: " أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره".

والإيمان بالقدر والشرع من تمام الإيمان بربوبية الله تعالى:.

وللإيمان بالقدر مراتب أربع:

المرتبة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى: قد علم بعلمه الأزلي الأبدي ما كان وما يكون من صغير، وكبير، وظاهر، وباطن مما يكون من أفعاله، أو أفعال مخلوقاته.

المرتبة الثانية: الإيمان بأن الله تعالى: كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، فما من شيء كان أو يكون إلا وهو مكتوب مقدر قبل أن يكون.

ودليل هاتين المرتبتين في كتاب الله تعالى:، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

أما الكتاب: فمنه قوله تعالى: ) ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير ( (2). وقوله: ) وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ( (3).

وأما السنة: فمنها قوله صلى الله عليه وسلم: " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة قال : وعرشه على الماء ".

أخرجه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

وروى البخاري في صحيحه من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء" وروى الإمام أحمد والترمذي من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب قال رب وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة". وهو حديث حسن.

المرتبة الثالثة: الإيمان بمشيئة الله تعالى:، وأنها عامة في كل شيء، فما وجد موجود، ولا عدم معدوم من صغير، وكبير، وظاهر، وباطن في السموات والأرض إلا بمشيئة الله عز وجل سواء كان ذلك من فعله تعالى:، أم من فعل مخلوقاته.

المرتبة الرابعة:الإيمان بخلق الله تعالى: وأنه خالق كل شيء من صغير وكبير،وظاهر وباطن، وأن خلقه شامل لأعيان هذه المخلوقات وصفاتها، وما يصدر عنها من أقوال وأفعال وآثار.

ودليل هاتين المرتبتين قوله تعالى: ) الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل .له مقاليد السموات والأرض ((1). وقوله: ) الذي له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً ( (2). وقوله: ) والله خلقكم وما تعملون((3).

ولم يخلق شيئاً إلا بمشيئته لأنه تعالى: لا مكره له لكمال ملكه وتمام سلطانه. قال الله تعالى: مبيناً أن فعله بمشيئته : ) ويفعل الله ما يشاء ( (4). وقال : ) الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر((5).وقال مبيناً أن فعل مخلوقاته بمشيئته: ) لمن شاء منكم أن يستقيم . وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين( (6).وقال: ) ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد((7).

والقدر لا ينافي الأسباب القدرية، أو الشرعية التي جعلها الله تعالى: أسباباً، فإن الأسباب من قدر الله تعالى:، وربط المسببات بأسبابها هو مقتضى الحكمة التي هي من أجل صفات الله عز وجل، والتي أثبتها الله لنفسه في مواضع كثيرة من كتابه.

فمن الأسباب القدرية قوله تعالى: ) الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفاً فترى الودق يخرج من خلاله (. إلى قوله: ) فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير((8).

ومن الأسباب الشرعية قوله تعالىقد جاءكم من الله نور وكتاب مبين.يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم((1). وكل فعل رتب الله عليه عقاباً أو ثواباً فهو من الأسباب الشرعية باعتبار كونه مطلوباً من العبد، ومن الأسباب القدرية باعتبار وقوعه بقضاء الله وقدره.

والناس في الأسباب طرفان ووسط:

فالطرف الأول: نفاة أنكروا تأثير الأسباب وجعلوها مجرد علامات يحصل الشيء عندها، لا بها، حتى قالوا :إن انكسار الزجاجة بالحجر إذا رميتها به حصل عند الإصابة، لا بها. وهؤلاء خالفوا السمع، وكابروا الحس، وأنكروا حكمة الله تعالى: في ربط المسببات بأسبابها.

والطرف الثاني: غلاة أثبتوا تأثير الأسباب، لكنهم غلوا في ذلك وجعلوها مؤثرة بذاتها، وهؤلاء وقعوا في الشرك، حيث أثبتوا موجداً مع الله تعالى:، وخالفوا السمع، والحس. فقد دل الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة على أنه لا خالق إلا الله، كما أننا نعلم بالشاهد المحسوس أن الأسباب قد تتخلف عنها مسبباتها بإذن الله، كما في تخلف إحراق النار لإبراهيم الخليل حين ألقي فيها فقال الله تعالى: ) يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم( (3). فكانت برداً وسلاماً عليه ولم يحترق بها.

وأما الوسط: فهم الذين هدوا إلى الحق وتوسطوا بين الفريقين وأخذوا بما مع كل واحد منهما من الحق، فأثبتوا للأسباب تأثيراً في مسبباتها لكن لا بذاتها بل بما أودعه الله تعالى: فيها من القوى الموجبة.

وهؤلاء هم الطائفة الوسط الذين وفقوا للصواب وجمعوا بين المنقول والمعقول، والمحسوس، وإذا كان القدر لا ينافي الأسباب الكونية والشرعية فهو لا ينافي أن يكون للعبد إرادة وقدرة يكون بهما فعله، فهو مريد قادر فاعل لقوله تعالى: ) منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ( (3).وقوله: ) وغدوا على حرد قادرين ((4). وقوله: ) ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً ((5).وقوله من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها( (6).

لكنه غير مستقل بإرادته وقدرته وفعله، كما لا تستقل الأسباب بالتأثير في مسبباتها لقوله تعالى: ) لمن شاء منكم أن يستقيم . وما تشاؤون إلا إن يشاء الله رب العالمين( (1). ولأن إرادته، وقدرته، وفعله من صفاته وهو مخلوق فتكون هذه الصفات مخلوقة أيضاً، لأن الصفات تابعة للموصوف فخالق الأعيان خالق لأوصافها.

فإن قال قائل: أفلا يصح على هذا التقرير أن يحتج بالقدر من خالف الشرع؟

فالجواب: أن الاحتجاج بالقدر على مخالفة الشرع لا يصح كما دل على ذلك الكتاب، والسنة، والنظر.

أما الكتاب: فمن أدلته قوله تعالى: ) سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ( (2). فأبطل الله حجتهم هذه بقوله: ) كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا( (3). ومنها قوله: ) رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل((4). فبين الله تعالى: أن الحجة قامت على الناس بإرسال الرسل ولا حجة لهم على الله بعد ذلك، ولو كان القدر حجة ما انتفت بإرسال الرسل.

وأما السنة: فمن أدلتها ما ثبت في الصحيحين عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة". قالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: " اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة. ثم قرأ ) فأما من أعطى واتقى .وصدق بالحسنى .فسنيسره لليسرى.وأما من بخل واستغنى. وكذب بالحسنى. فسنيسره للعسرى ( (5).

وأما النظر فمن أدلته:

1. 1. أن تارك الواجب، وفاعل المحرم يقدم على ذلك باختياره لا يشعر أن أحداً أكرهه عليه، ولا يعلم أن ذلك مقدر، لأن القدر سر مكتوم فلا يعلم أحد أن شيئاً ما قدره الله تعالى: إلا بعد وقوعه، فكيف يصح أن يحتج بحجة لا يعلمها قبل إقدامه على ما اعتذر بها عنه؟!

ولماذا لم يقدر أن الله تعالى: كتبه من أهل السعادة، فيعمل بعملهم، دون أن يقدر أن الله كتبه من أهل الشقاوة، ويعمل بعملهم؟!

2. 2. أن إقحام النفس في مآثم ترك الواجب، وفعل المحرم ظلم لها وعدوان عليها كما قال الله تعالى: عن المكذبين للرسل: ) وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ( (1). ولو أن أحداً ظلم المحتج بالقدر على مخالفته، ثم قال له: ظلمي إياك كان بقدر الله. لم يقبل منه هذه الحجة، فكيف لا يقبل هذه الحجة بظلم غيره له، ثم يحتج بها بظلمه هو لنفسه؟!.

3. 3. أن هذا المحتج لو خير في السفر بين بلدين أحدهما: بلد آمن مطمئن فيه أنواع المآكل، والمشارب، والتنعم، والثاني: بلد خائف قلق، فيه أنواع البؤس، والشقاء، لاختار السفر إلى البلد الأول ولا يمكن أن يختار الثاني محتجاً بالقدر، فلماذا يختار الأفضل في مقر الدنيا، ولا يختاره في مقر الآخرة؟!

فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالى: لرسوله صلى الله عليه وسلم: ) اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين .ولو شاء الله ما أشركوا ( (2). فأخبر أن شركهم واقع بمشيئة الله تعالى: !.

قيل له: الجواب عنه: أن الله تعالى: أخبر أن شركهم واقع بمشيئته تسلية لرسوله r لا دفاعاً عنهم، وإقامة للعذر لهم، بخلاف احتجاج المشركين على شركهم بمشيئة الله فإنما قصدوا به دفع اللوم عنهم وإقامة العذر على استمرارهم على الشرك، ولهذا أبطل الله احتجاجهم ولم يبطل أن شركهم واقع بمشيئته.

فإن قال قائل: ما الجواب عما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " احتج آدم وموسى وفي لفظ تحاج آدم وموسى فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا، وأخرجتنا من الجنة فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أتلومني على أمر قدره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحج آدم موسى فحج آدم موسى ثلاثاً ". وعند أحمد: " فحجه آدم ". أي غلبه في الحجة؟

قيل له : الجواب من وجهين:

أحدهما: أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يعتب على آدم في معصية تاب منها إلى الله تعالى: فاجتباه ربه وتاب عليه وهدى فإن هذا بعيد جداً أن يقع من موسى عليه الصلاة والسلام وهو أجل قدراً من أن يلوم أباه ويعتب عليه في هذا، وإنما عنى بذلك المصيبة التي حصلت لآدم وبنيه وهي الإخراج من الجنة الذي قدره الله عليه بسبب المعصية فاحتج آدم على ذلك بالقدر من باب الاحتجاج بالقدر على المصائب، لا على المعايب فهو كقوله صلى الله عليه وسلم: " احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان". رواه مسلم.

فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى تفويض الأمر إلى قدر الله بعد فعل الأسباب التي يحصل بها المطلوب ثم يتخلف.

ونظير هذا أن يسافر شخص فيصاب بحادث في سفره فيقال له: لماذا تسافر؟ فيقول : هذا أمر مقدر والمقدر لا مفر منه، فإنه لا يحتج هنا بالقدر على السفر لأنه يعلم أنه لا مكره له وأنه لم يسافر ليصيبه الحادث، وإنما يحتج بالقدر على المصيبة التي ارتبطت به وهذا هو الوجه الذي اختاره الشيخ المؤلف في هذه العقيدة.

الثاني: أن الاحتجاج بالقدر على ترك الواجب، أو فعل المحرم بعد التوبة جائز مقبول، لأن الأثر المترتب على ذلك قد زال بالتوبة فانمحى به توجه اللوم على المخالفة، فلم يبق إلا محض القدر الذي احتج به لا ليستمر على ترك الواجب، أو فعل المحظور ولكن تفويضاً إلى قدر الله تعالى: الذي لابد من وقوعه.

وقد أشار إلى هذا ابن القيم في شفاء العليل وقال : إنه لم يدفع بالقدر حقاً ولا ذكره حجة له على باطل ولا محذور في الاحتجاج به، وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل بأن يرتكب فعلاً محرماً، أو يترك واجباً فيلومه عليه لائم فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره فيبطل بالاحتجاج به حقاً ويرتكب باطلاً، كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا: ) لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ( (1). ) لو شاء الرحمن ما عبدناهم ( (2). فاحتجوا به مصوبين لما هم عليه وأنهم لم يندموا على فعله ولم يعزموا على تركه ولم يقروا بفساده فهذا ضد احتجاج من تبين له خطأ نفسه، وندم، وعزم كل العزم على أن لا يعود. ونكتة المسألة أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعاً فالاحتجاج بالقدر باطل، ثم ذكر حديث علي رضي الله عنه حين طرقه النبي صلى الله عليه وسلم وفاطمة ليلاً فقال: " ألا تصليان ". الحديث.

وأجاب عنه بأن احتجاج علي صحيح ( ولذلك لم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ) (3). صاحبه يعذر فيه فالنائم غير مفرط واحتجاج غير المفرط بالقدر صحيح.

فصل

في ضرورة الإيمان بالقدر والشرع

لابد للإنسان من الإيمان بالقدر لأنه أحد أركان الإيمان الستة، ولأنه من تمام توحيد الربوبية، ولأن به تحقيق التوكل على الله تعالى: وتفويض الأمر إليه مع القيام بالأسباب الصحيحة النافعة، ولأن به اطمئنان الإنسان في حياته حيث يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ولأن به ينتفي الإعجاب بالنفس عند حصول المراد، لأنه يعلم أن حصوله بقدر الله، وأن عمله الذي حصل به مراده ليس إلا مجرد سبب يسره الله له، ولأن به يزول القلق والضجر عند فوات المراد، أو حصول المكروه لأنه يعلم أن الأمر كله لله فيرضى ويسلم. وإلى هذين الأمرين يشير قوله تعالى: ) ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير . لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور ( (1).

ولابد للإنسان أيضاً من الإيمان بالشرع وهو ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام من أمر الله ونهيه، وما يترتب عليهما من الجزاء ثواباً أو عقاباً فيقوم بما يلزمه نحو الأمر والنهي، ويؤمن بما يترتب عليهما من الجزاء.

وذلك لأن الإنسان مريد فلابد له من فعل يدرك به ما يريد، ويدفع به مالا يريد، ولابد له من ضابط يضبط تصرفه لئلا يقع فيما يضره، أو يفوته ما ينفعه من حيث لا يشعر، والشرع الإلهي الذي جاءت به الرسل هو الذي يضبط ذلك، ويصدر الحكم به، ويكون به التمييز بين النافع والضار والصالح والفاسد، لأنه من عند الله العليم، الرحيم، الحكيم.

والعقول وإن كانت تدرك النافع، والضار في الجملة، لكن تفصيل ذلك والإحاطة به إحاطة تامة إنما يكون من جهة الشرع.ولهذا نقول: النفع، أو الضرر قد يكون معلوماً بالفطرة، وقد يكون معلوماً بالعقل، وقد يكون معلوماً بالتجارب، وقد يكون معلوماً بالشرع.

فالشرع يأتي مؤيداً لما شهدت به الفطرة، والعقل، والتجارب وهذه تأتي شاهدة لما جاء به الشرع.

وفي هذا المقام اختلف الناس في الأعمال هل يعرف حسنها وقبحها بالشرع، أو بالعقل؟.

والتحقيق: أن ذلك يعرف تارة بالشرع، وتارة بالعقل، وتارة بهما، لكن علم ذلك على وجه الشمول، والتفصيل، وعلم غايات الأعمال في الآخرة من سعادة، وشقاء ونحو ذلك لا يعلم إلا بالشرع.


فصل
إذا تبين أنه لابد للإنسان من الإيمان بالقدر، والإيمان بالشرع فاعلم أن الناس انقسموا في ذلك إلى قسمين:

القسم الأول: أهل الهدى، والفلاح الذين آمنوا بقضاء الله وقدره على ما سبق بيانه من المراتب الأربع، وآمنوا أيضاً بشرعه فقاموا بأمره ونهيه وآمنوا بما ترتب على ذلك من جزاء، ولم يحتجوا بقدره على شرعه، أو بشرعه على قدره ولم يجعلوا ذلك تناقضاً من الخالق، وهؤلاء هم أهل الحق الذين حققوا مقام ) إياك نعبد وإياك نستعين ( (1). المؤمنون بمقتضى قوله تعالى: ) ألا له الخلق والأمر ( (2).

القسم الثاني: أهل الضلال، والهلاك المخالفون للجماعة وهم ثلاث فرق: مجوسية، ومشركية، وإبليسية.

فالمجوسية هم: القدرية الذين آمنوا بشرع الله، وكذبوا بقدره، فغلاتهم أنكروا عموم علم الله تعالى: وقالوا: إن الله تعالى: لم يقدر أعمال العباد ولا علم له بها قبل وقوعها، ومقتصدوهم آمنوا بعلم الله بها قبل وقوعها وأنكروا أن تكون واقعة بقدر الله تعالى: وأن تكون مخلوقة له.

وهؤلاء هم المعتزلة ومن وافقهم. ومذهبهم باطل بما سبق في أدلة مراتب القدر.

والمشركية هم:الذين أقروا بقدر الله واحتجوا به على شرعه كما قال الله تعالى: عنهم سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا ( (3).

والإبليسية هم: الذين أقروا بالأمرين بالقدر، وبالشرع لكن جعلوا ذلك تناقضاً من الله عز وجل، وطعنوا في حكمته تعالى:، وقالوا: كيف يأمر العباد وينهاهم، وقد قدر عليهم ما قدر مما قد يكون مخالفاً لما أمرهم به ونهاهم عنه فهل هذا إلا التناقض المحض والتصرف المنافي للحكمة؟

وهؤلاء أتباع إبليس فقد احتج على الله عز وجل حين أمره أن يسجد لآدم فقال إبليس: ) أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ( (4).

والرد على هاتين الفرقتين معلوم من الرد على المحتجين بالقدر على معصية الله تعالى:.

فصل

وأما الشرع فهو ما جاءت به الرسل من عبادة الله تعالى: التي من أجلها خلق الله الجن والإنس لقوله تعالى: ) وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ( (1). وذلك هو الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد ديناً سواه لقوله تعالى: ) ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ( (2).

فالإسلام هو الاستسلام لله وحده بالطاعة فعلاً للمأمور وتركاً للمحظور في كل زمان ومكان كانت الشريعة فيه قائمة ، وهذا هو الإسلام بالمعنى العام . وعلى هذا يكون أصحاب الملل السابقة مسلمين حين كانت شرائعهم قائمة لم تنسخ كما قال الله تعالى: عن نوح وهو يخاطب قومه : ) فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين( (3).

وقال عن إبراهيم: ) ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين( (4)وقال أيضا:ً ) إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين . ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ( (5).

وقال عن موسى في مخاطبته قومه: ) يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين( (6). وقال عن التوارة: ) إنا أنزلنا التوارة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ( (7).وقال عن الحواريين أتباع عيسى: ) وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون ( (8).وقال عن ملكة سبأ: ) رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين( (9).

وأما الإسلام بالمعنى الخاص فيختص بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين((10). وقال في أمته: ) هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم ( (1).فلا إسلام بعد بعثته إلا باتباعه، لأن دينه مهيمن على الأديان كلها ظاهر عليها، وشريعته ناسخة للشرائع السابقة كلها قال الله تعالى: ) وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين( (2).

والذي جاء مصدقاً لما مع الرسل قبله هو محمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه ((3) وقال تعالى: ) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ( (4). وهذا يعم الظهور قدراً وشرعاً.

فمن بلغته رسالة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يؤمن به ويتبعه لم يكن مؤمناً ولا مسلماً بل هو كافر من أهل النار لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة - يعني أمة الدعوة - يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار". أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

وبهذا يعلم أن النزاع فيمن سبق من الأمم هل هم مسلمون أو غير مسلمين؟ نزاع لفظي، وذلك لأن الإسلام بالمعنى العام يتناول كل شريعة قائمة بعث الله بها نبياً فيشمل إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء ما دامت شريعته قائمة غير منسوخة بالاتفاق كما دلت على ذلك النصوص السابقة، وأما بعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم فإن الإسلام يختص بما جاء به فمن لم يؤمن به ويتبعه فليس بمسلم.ومن زعم أن مع دين محمد صلى الله عليه وسلم ديناً سواه قائماً مقبولاً عند الله تعالى: من دين اليهود،أو النصارى،أو غيرهما فهو مكذب لقول الله تعالى إن الدين عند الله الإسلام((5). وقوله: ) ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ( (6).

وإذا كان الإسلام اتباع الشريعة القائمة، فإنه إذا نسخ شيء منها لم يكن المنسوخ ديناً بعد نسخه ولا اتباعه إسلاماً.

فاستقبال بيت المقدس مثلاً كان ديناً وإسلاماً قبل نسخه، ولم يكن ديناً ولا إسلاماً بعده. وزيارة القبور لم تكن ديناً ولا إسلاماً حين النهي عنها وكانت ديناً وإسلاماً بعد الأمر بها.

فصل

مبنى الإسلام على توحيد الله عز وجل قال الله تعالى: ) قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون ( (1). ولابد في التوحيد من الجمع بين النفي والإثبات، لأن النفي وحده تعطيل، والإثبات وحده لا يمنع المشاركة فلا توحيد إلا بنفي وإثبات.

وقد قسمه العلماء بالتتبع والاستقراء إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: توحيد الربوبية.

القسم الثاني: توحيد الألوهية.

القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات.

وقد جمع الله هذه الأقسام في قوله تعالى: ) رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً ( (2).

فأما توحيد الربوبية: فهو إفراد الله تعالى: بالخلق، والملك، والتدبير. ومن أدلته قوله تعالى: )ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين((3).وقوله ولله ملك السموات والأرض ( (4). وقوله قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير . ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له( (5).

وهذا قد أقر به المشركون الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى: ) ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ( (6). ) ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ( (7). وقال تعالى: ) قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله ( (8) وقال تعالى: ) قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله (، إلى قوله: ) بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون ( (9).

ولم يكن أحد من هؤلاء المشركين ولا غيرهم ممن يقر بالخالق يعتقد أن أحداً من الخلق شارك الله تعالى: في خلق السموات والأرض، أو غيرهما، ولا أن للعالم صانعين متكافئين في الصفات والأفعال، ولم ينقل أرباب المقالات الذين جمعوا ما قيل في الملل والنحل، والآراء والديانات عن أحد من الناس أنه قال بذلك.

وغاية ما نقلوا قول الثنوية القائلين بالأصلين: النور، والظلمة، وأن النور خلق الخير، والظلمة خلقت الشر، لكنهم لا يقولون بتساويهما وتكافئهما فالنور مضيء موافق للفطرة، بخلاف الظلمة.

والنور قديم، ولهم في الظلمة قولان:

أحدهما: أنها محدثة مخلوقة للنور، فيكون النور أكمل منها.

الثاني: أنها قديمة لكنها لا تخلق إلا الشر.

فصارت الظلمة ناقصة عن النور في مفعولاتها، كما أنها ناقصة عنه في وجودها وصفاتها. وأما قول فرعون لقومه حين جمعهم فنادى: ) أنا ربكم الأعلى ((1).

وقوله: ) يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري ((2). فمكابرة لم يصدر عن عقيدة، بل كان يعتقد في قرارة نفسه أن الله هو رب السموات والأرض ولهذا لم يكذب موسى حين قال له: ) لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً((3). واقرأ قوله تعالى: عن فرعون وقومه: ) وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوًّا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين( (4).

وأما قول من قال من الناس : إن بعض الحوادث مخلوقة لغير الله كالقدرية الذين يقولون : إن العباد خلقوا أفعالهم، فإنهم يقرون بأن العباد مخلوقون والله تعالى: هو خالقهم وخالق قدرتهم.

وكذلك أهل الفلسفة، والطبع، والنجوم الذين يجعلون بعض المخلوقات مبدعة لبعض الأمور يعتقدون أن هذه الفاعلات مخلوقة حادثة.

وبهذا يتقرر أنه لم يكن أحد من الناس يدعي أن للعالم صانعين متكافئين.

فصل

وأما توحيد الألوهية فهو: إفراد الله تعالى: بالعبادة بأن يعبد وحده ولا يعبد غيره من ملك، أو رسول، أو نبي، أو ولي، أو شجر، أو حجر، أو شمس، أو قمر، أو غير ذلك كائناً ما كان.

ومن أدلته قوله تعالى: ) واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ( (1).

و قوله: ) وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ( (2). و وقوله: ) وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم( (3). وقوله: ) شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم( (4).

وهذا النوع قد أنكره المشركون الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى: عنهم: ) إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون . ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ( (5). وقال تعالى: ) وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب . أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب . وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ( (6).

ومن أجل إنكارهم إياه قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم واستباح دماءهم وأموالهم، وسبى نسائهم وذرياتهم بإذن الله تعالى: وأمره، ولم يكن إقرارهم بتوحيد الربوبية مخرجاُ لهم عن الشرك، ولا عاصماً لدمائهم وأموالهم.

وتحقيق هذا النوع أن يعبد الله وحده لا شريك له بشرعه الذي جاءت به رسله كما قال الله تعالى: ) فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ( (7). فمن لم يعبد الله تعالى: فهو مستكبر غير موحد، ومن عبده وعبد غيره فهو مشرك غير موحد، ومن عبده بما لم يشرعه فهو مبتدع ناقص التوحيد حيث جعل لله تعالى: شريكاً في التشريع.

والعبادة تطلق على معنيين:

أحدهما: التعبد وهو فعل العابد فتكون بمعنى التذلل للمعبود حباً وتعظيماً وهذان ـ أعني الحب والتعظيم ـ أساس العبادة فبالحب يكون طلب الوصول إلى مرضاة المعبود بفعل ما أمر به، وبالتعظيم يكون الهرب من أسباب غضبه بترك ما نهى عنه.

الثاني: المتعبد به فتكون اسماً جامعاً لكل ما يتعبد به لله تعالى: كالطهارة، والصلاة، والصدقة، والصوم، والحج، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وغير ذلك من أنواع العبادة.

وللعبادة شرطان:

أحدهما: الإخلاص لله عز وجل بأن لا يريد بها سوى وجه الله والوصول إلى دار كرامته، وهذا من تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله.

الثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن لا يتعبد لله تعالى: بغير ما شرعه، وهذا من تحقيق شهادة أن محمداً رسول الله.

فالمشرك في العبادة لا تقبل عبادته، ولا تصح لفقد الشرط الأول.

والمبتدع فيها لا تقبل، ولا تصح لفقد الشرط الثاني.

وقد دل على هذين الشرطين كتاب الله تعالى:، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

فمن أدلة اشتراط الإخلاص من كتاب الله قوله تعالى: ) فاعبد الله مخلصاً له الدين . ألا لله الدين الخالص( (1). وقوله: ) وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ( (2). وقوله: )ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ( (3). إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة المتنوعة الدلالة.

ومن أدلته من السنة ما أخرجه البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " يا أيها الناس إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن هاجر إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه". هذا أحد ألفاظ البخاري.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال الله تبارك وتعالى: : أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه".

ومن أدلة اشتراط المتابعة لرسول الله من كتاب الله تعالى: قوله تعالى: ) وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ( (4). وقوله: ) ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ( (5).

وقوله في وصف النبي صلى الله عليه وسلم: ) فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون((1).إلى غيرذلك من الآيات الكثيرة المتنوعة الدلالة.

ومن أدلته من السنة ما أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد". أي مردود. وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا خطب الناس يوم الجمعة: " أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". رواه أحمد وأبو داود.

ولا تتحقق المتابعة إلا بموافقة العبادة للشرع في سببها، وجنسها، وقدرها، وكيفيتها، وزمانها، ومكانها.

والعبادة أنواع كثيرة:

فمنها الصلاة، والذبح لقوله تعالى: ) فصل لربك وانحر ( (2).

وقوله قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين . لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ( (3).

فمن صلى لغير الله فهو مشرك، ومن ذبح لغير الله تقرباً وتعظيماً فهو مشرك.

ومنها التوكل لقوله تعالىوعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ((4).وقوله فاعبده وتوكل عليه((5). ولهذا لما كان التوكل خاصاً به كان وحده هو الحسب كما قال تعالى ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره((6).فأما قوله تعالى يا أيها النبي حسبك الله وما اتبعك من المؤمنين((7).فمعناه أن الله هو حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين فقوله من اتبعك(. معطوف على الكاف في قوله: ) حسبك ( وليس معطوفاً على ) الله ( كما ظنه بعض الغالطين، فإن هذا يفسد به المعنى إذ يكون المعنى على هذا التقدير: أن الله والمؤمنين حسب النبي صلى الله عليه وسلم وهذا باطل فإن مقام النبي صلى الله عليه وسلم أعلى وأقوى من مقام من اتبعه فكيف يكون الأدنى حسباً للأعلى والأقوى.

ومنها الخشية، والخوف تعبداً وتقرباً لقوله تعالى: ) إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ( (1).

وقوله: ) فلا تخشوا الناس واخشون ( (2). وقوله : ) فإياي فارهبون ( (3). فجعل الرهبة له وحده كما جعل العبادة له وحده في قوله: ) فإياي فاعبدون ( (4).

ومنها التقوى تعبداً وتقرباً لقوله تعالى: ) وإياي فاتقون ( (5).

وقوله: ) أفغير الله تتقون ( (6). وقوله: ) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً. يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً ( (7).

فصل

وأما توحيد الأسماء والصفات: فهو إفراد الله تعالى: بأسمائه وصفاته وذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.

فلا يجوز نفي شيء مما سمى الله به نفسه، أو وصف به نفسه لقوله تعالى: ) ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ( (1). ولأن ذلك تعطيل يستلزم تحريف النصوص أو تكذيبها مع وصف الله تعالى: بالنقائص والعيوب.

ولا يجوز تسمية الله تعالى:، أو وصفه بما لم يأت في الكتاب والسنة لأن ذلك قول على الله تعالى: بلا علم وقد قال الله تعالى: : ) قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله مالا تعلمون((2). وقال: ) ولا تقف ما ليس به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً( (3).

ولا يجوز إثبات اسم أو صفة لله تعالى: مع التمثيل لقوله تعالى: ) ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ( (4). وقوله ) فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ( (5). ولأن ذلك إشراك بالله تعالى: يستلزم تحريف النصوص، أو تكذيبها مع تنقص الله تعالى: بتمثيله بالمخلوق الناقص.

ولا يجوز إثبات اسم، أو صفة لله تعالى: مع التكييف لأن ذلك قول على الله تعالى: بلا علم، يستلزم الفوضى، والتخبط في صفات الله تعالى:، إذ كل واحد يتخيل كيفية معينة غير ما تخيله الآخر، ولأن ذلك محاولة لإدراك مالا يمكن إدراكه بالعقول، فإنك مهما قدرت من كيفية فالله أعلى وأعظم.

وهذا النوع من التوحيد هو الذي كثر فيه الخوض بين أهل القبلة فانقسموا في النصوص الواردة فيه إلى ستة أقسام:

القسم الأول: من أجروها على ظاهرها اللائق بالله تعالى: من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.

وهؤلاء هم السلف وهذا هو الصواب المقطوع به لدلالة الكتاب، والسنة، والعقل، والإجماع السابق عليه دلالة قطعية أو ظنية.

القسم الثاني: من أجروها على ظاهرها، لكن جعلوها من جنس صفات المخلوقين.

وهؤلاء هم الممثلة، ومذهبهم باطل بالكتاب، والسنة والعقل، وإنكار السلف.

القسم الثالث: من أجروها على خلاف ظاهرها، وعينوا لها معاني بعقولهم، وحرفوا من أجلها النصوص.

وهؤلاء هم أهل التعطيل فمنهم من عطل تعطيلاً كبيراً كالجهمية والمعتزلة ونحوهم، ومنهم من عطل دون ذلك كالأشاعرة.

القسم الرابع: من قالوا: الله أعلم بما أراد بها، وفوضوا علم معانيها إلى الله وحده.

وهؤلاء هم أهل التجهيل المفوضة، وتناقض بعضهم فقال: الله أعلم بما أراد، لكنه لم يرد إثبات صفة خارجية له تعالى:.

القسم الخامس: من قالوا: يجوز أن يكون المراد بهذه النصوص إثبات صفة تليق بالله تعالى: وأن لا يكون المراد ذلك.

وهؤلاء كثير من الفقهاء وغيرهم.

القسم السادس: من أعرضوا بقلوبهم وأمسكوا بألسنتهم عن هذا كله واقتصروا على قراءة النصوص ولم يقولوا فيها بشيء (1).

وهذه الأقسام سوى الأول باطلة كما قد تبين في غير هذا الموضع.



فصل

وبهذا التقرير عن أقسام التوحيد يتبين غلط عامة المتكلمين في مسمى التوحيد حيث جعلوه ثلاثة أنواع:

الأول: أن الله واحد في ذاته لا قسيم له، أولا جزء له، أولا بعض له.

الثاني: أنه واحد في صفاته لا شبيه له.

الثالث: أنه واحد في أفعاله لا شريك له.

وبيان غلطهم من وجوه:

أحدها: أنهم لم يدخلوا فيه توحيد الألوهية وهو أن الله تعالى: واحد في ألوهيته لا شريك له فيفرد وحده بالعبادة، مع أن هذا النوع من التوحيد هو الذي من أجله خلق الجن والإنس لقوله تعالى: ) وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ( (1).

ومن أجله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب لقوله تعالى: ) وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ( (2).

وقوله: ) ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ( (3). وقد قام الرسل عليهم الصلاة والسلام بذلك يدعون قومهم ) أن أعبدوا الله مالكم من إله غيره( (4). أي مالكم من معبود حق غير الله، فجميع الآلهة سواه باطلة كما قال تعالى: ) ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير ( (5).

ومن أجله قامت المعارك الكلامية، والقتالية بين الرسل وأقوامهم المكذبين لهم كما قال الله تعالى: عن قوم نوح: ) قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين( (6). وقال عن قوم هود: ) قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين . إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون . من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون ( (7). وقال في إبراهيم وقومه: ) قال أفتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيئاً ولا يضركم . أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون . قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ( (1). وقال عن المكذبين لمحمد صلى الله عليه وسلم: ) وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزواً أهذا الذي يذكر آلهتكم ( (2). وقال: ) وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب . أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب . وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد( (3). وقال في أعدائه: ) إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون ( (4).

والمهم أن هذا التوحيد الذي هذا شأنه قد أغفله عامة المتكلمين الذين يتكلمون في أنواع التوحيد، وهو أحد وجوه غلطهم في مسمى التوحيد.

الوجه الثاني: قولهم: " إن الله واحد في ذاته لا قسيم له.. " إلخ فيه إجمال:

فإن أرادوا به أن الله تعالى: لا يتجزأ، ولا يتفرق، ولا يكون مركباً من أجزاء فهذا حق، فإن الله تعالى: أحد، صمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.

وإن أرادوا به مع ذلك نفي ما وصف به نفسه كعلوه، واستوائه على عرشه، ووجهه، ويديه ونحو ذلك - وهذا مرادهم - فهو باطل، لأن الله تعالى: قد أثبت لنفسه من صفات الكمال من هذا وغيره ما هو أهل له.

وتوحيده فيها إثباتها له على الوجه اللائق به بدون تمثيل، لا أن تنفى عنه بنوع من التحريف والتعطيل.

الوجه الثالث: قولهم: " واحد في صفاته لا شبيه له " فيه إجمال:

فإن أرادوا به إثبات صفات الله تعالى: على الوجه اللائق به من غير أن يماثله أحد فيما يختص به فهذا حق، وهو مذهب السلف لكن عامة المتكلمين لا يريدون ذلك.

وإن أرادوا به نفي أن يكون شيء من المخلوقات مماثلاً له من كل وجه فهذا لغو لا حاجة إليه فهو كقول القائل: السماء فوقنا والأرض تحتنا لأن مماثلة الخالق للمخلوق من كل وجه معلوم الانتفاء، بل الامتناع بضرورة العقل، والسمع، وإجماع العقلاء. ولهذا لم يُثبت أحد من الأمم أحداً مماثلاً لله تعالى: من كل وجه، وغاية من شبه به شيئاً أن يشبهه به في بعض الأمور.

وإن أرادوا به نفي أن يكون بين صفات الخالق والمخلوق قدر مشترك مع تميز كل منهما بما يختص به - وهذا مرادهم - فهو باطل، لأنه قد علم بضرورة العقل أن كل موجودين قائمين بأنفسهما لابد من قدر مشترك بينهما مع تميز كل واحد منهما بما يختص به، كاتفاقهما في مسمى الوجود، والذات والقيام بالنفس ونحو ذلك، ونفي هذا القدر تعطيل محض.

والقول بهذا المراد لا يمنع نفي ما يجب لله تعالى: من صفات الكمال عند من يرى أن إثبات ذلك يستلزم التشبيه، فقد سبق أن أهل التعطيل من الجهمية والمعتزلة وغيرهم أدخلوا نفي الصفات في مسمى التوحيد وقالوا :من أثبت لله علماً، أو قدرة ونحو ذلك فهو مشبه غير موحد، وزاد عليهم غلاة الفلاسفة، والقرامطة فأدخلوا فيه نفي الأسماء وقالوا: من قال : إن الله عليم قدير ونحو ذلك فهو مشبه غير موحد، وزاد عليهم غلاة الغلاة فقالوا: إن الله لا يوصف بما يتضمن إثباتاً أو نفياً، فمن نفى عنه صفة، أو أثبت له صفة فهو مشبه غير موحد.

وقد سبق الرد على هؤلاء الطوائف في أول الرسالة ولله الحمد.

الوجه الرابع: قولهم: " واحد في أفعاله لا شريك له" وهذا أشهر أنواع التوحيد عندهم، ويعنون به أن خالق العالم واحد، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب وأن هذا معنى " لا إله إلا الله " فيجعلون معناها: لا قادر على الاختراع إلا الله.

ومعلوم أن هذا خطأ من وجهين:

الأول: أن هذا الذي قرروه قد أقر به المشركون الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم لم يجعلوا لله شريكاً في أفعاله كما قال تعالى: ) ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله ( (1)) ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ( (2). ومع هذا لم يكونوا موحدين بل هم مشركون بدلالة الكتاب، والسنة، والإجماع المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، لكونهم أنكروا توحيد الألوهية وقالوا: ) أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب ( (3)ولهذا قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم مستبيحاً دماءهم وأموالهم، وسبى ذراريهم ونسائهم.

الثاني: أن تفسيرهم " لا إله إلا الله " بهذا التفسير الذي ذكروه أي إنه لا قادر على الاختراع إلا الله، يقتضي أن من أقر بأن الله وحده هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شهد أن لا إله إلا الله وعصم دمه وماله.

ومعلوم أن تفسيرها بهذا المعنى باطل مخالف لما عرفه المسلمون منها فإن تفسيرها الصحيح: أن لا معبود حق إلا الله هذا هو الذي يعرفه المسلمون من معناها، بل والمشركون ألا ترى إلى قول الله تعالى: فيهم: ) إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله الله يستكبرون . ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ( (1). وكانوا لا يستكبرون عن الإقرار بقلوبهم وألسنتهم بأن الله هو الخالق وحده ولا يدعون أن آلهتهم تخلق شيئاً فتبين بذلك أن المشركين أعلم وأفقه بمعنى لا إله إلا الله من هؤلاء المتكلمين، وأن غاية ما يقرره هؤلاء المتكلمون من التوحيد توحيد الربوبية الذي لا يخلص الإنسان من الشرك، ولا يعصم به دمه وماله، ولا يسلم به من الخلود في النار.

وقد سلك هذا المسلك طوائف من أهل التصوف المنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد، فكان غاية ما عندهم من التوحيد أن يشهد المرء أن الله رب كل شيء، ومليكه، وخالقه لا سيما إذا غاب العارف بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، ودخل في فناء توحيد الربوبية بحيث يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل.

ومعلوم أن هذه الغاية هي ما أقر به المشركون من التوحيد وهي غاية لا يكون بها الرجل مسلماً، فضلاً عن أن يكون من أولياء الله تعالى: وسادة خلقه.



فصل

في الفناء وأقسامه

الفناء لغة : الزوال . قال الله تعالى: : ) كل من عليها فان . ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام((1).

وفي الاصطلاح ثلاثة أقسام:

القسم الأول: ديني شرعي وهو الفناء عن إرادة السوى. أي: عن إرادة ما سوى الله عز وجل بحيث يفنى بالإخلاص لله عن الشرك، وبشريعته عن البدعة، وبطاعته عن معصيته، وبالتوكل عليه عن التعلق بغيره، وبمراد ربه عن مراد نفسه إلى غير ذلك مما يشتغل به من مرضاة الله عما سواه.

وحقيقته: انشغال العبد بما يقربه إلى الله عز وجل عما لا يقربه إليه وإن سمي فناء في اصطلاحهم.

وهذا فناء شرعي به جاءت الرسل، ونزلت الكتب، وبه قيام الدين والدنيا، وصلاح الآخرة والدنيا قال الله تعالى: ) ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً ( (2). وقال: ) من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ( (3). وقال والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ويدرؤون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار( (4). وقال: ) يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك الخاسرون ( (5).

وهذا هو الذوق الإيماني الحقيقي الذي لا يعادله ذوق ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار". وفي صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ".

القسم الثاني: صوفي بدعي وهو: الفناء عن شهود السوى أي عن شهود ما سوى الله تعالى:، وذلك أنه بما ورد على قلبه من التعلق بالله عز وجل وضعفه عن تحمل هذا الوارد ومقاومته غاب عن قلبه كل ما سوى الله عز وجل ففني بهذه الغيبوبة عن شهود ما سواه، ففني بالمعبود عن العبادة وبالمذكور عن الذكر، حتى صار لا يدري أهو في عبادة وذكر أم لا، لأنه غائب عن ذلك بالمعبود والمذكور لقوة سيطرة الوارد على قلبه.

وهذا فناء يحصل لبعض أرباب السلوك، وهو فناء ناقص من وجوه:

الأول: أنه دليل على ضعف قلب الفاني، وأنه لم يستطع الجمع بين شهود المعبود والعبادة، والآمر والمأمور به، واعتقد أنه إذا شاهد العبادة والأمر اشتغل به عن المعبود والآمر، بل إذا ذكر العبادة والذكر كان ذلك اشتغالاً عن المعبود والمذكور.

الثاني: أنه يصل بصاحبه إلى حال تشبه حال المجانين والسكارى حتى إنه ليصدر عنه من الشطحات القولية والفعلية المخالفة للشرع ما يعلم هو وغيره غلطه فيها كقول بعضهم في هذه الحال: "سبحاني.. سبحاني أنا الله. ما في الجبة إلا الله أنصب خيمتي على جهنم" ونحو ذلك من الهذيان والشطح.

الثالث: أن هذا الفناء لم يقع من المخلصين الكمل من عباد الله فلم يحصل للرسل، ولا للأنبياء، ولا للصديقين والشهداء. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ليلة المعراج من آيات الله اليقينية مالم يقع لأحد من البشر وفي هذه الحال كان صلى الله عليه وسلم على غاية من الثبات في قواه الظاهرة والباطنة كما قال الله تعالى: عن قواه الظاهرة ما زاغ البصر وما طغى((1). وقال عن قواه الباطنة: ) ما كذب الفؤاد ما رأى ((2). وهاهم الخلفاء الراشدون أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم أفضل البشر بعد الأنبياء وسادات أوليائهم لم يقع لهم مثل هذا الفناء، وها هم سائر الصحابة مع علو مقامهم وكمال أحوالهم لم يقع لهم مثل هذا الفناء.

وإنما حدث هذا في عصر التابعين فوقع منه من بعض العباد والنساك ما وقع، فكان منهم من يصرخ، ومنهم من يصعق، ومنهم من يموت، وعرف هذا كثيراً في بعض مشايخ الصوفية.

ومن جعل هذا نهاية السالكين فقد ضل ضلالاً مبيناً، ومن جعله من لوازم السير إلى الله فقد أخطأ.

وحقيقته: أنه من العوارض التي تعرض لبعض السالكين لقوة الوارد على قلوبهم وضعفها عن مقاومته، وعن الجمع بين شهود العبادة والمعبود ونحو ذلك.

القسم الثالث: فناء إلحادي كفري وهو: الفناء عن وجود السوى.

أي: عن وجود ما سوى الله عز وجل، بحيث يرى أن الخالق عين المخلوق، وأن الموجود عين الموجد، وليس ثمة رب ومربوب، وخالق ومخلوق، وعابد ومعبود وآمر ومأمور، بل الكل شيء واحد وعين واحدة.

وهذا فناء أهل الإلحاد القائلين بوحدة الوجود كابن عربي، والتلمساني وابن سبعين، والقونوي ونحوهم.. وهؤلاء أكفر من النصارى من وجهين:

أحدهما: أن هؤلاء جعلوا الرب الخالق عين المربوب المخلوق وأولئك النصارى جعلوا الرب متحداً بعبده الذي اصطفاه بعد أن كانا غير متحدين.

الثاني: أن هؤلاء جعلوا اتحاد الرب سارياً في كل شيء في الكلاب والخنازير والأقذار، والأوساخ، وأولئك النصارى خصوه بمن عظموه كالمسيح (1).

وتصور هذا القول كاف في رده، إذ مقتضاه: أن الرب والعبد شيء واحد، والآكل والمأكول شيء واحد، والناكح والمنكوح شيء واحد، والخصم والقاضي شيء واحد، والمشهود له وعليه والشاهد شيء واحد، وهذا غاية ما يكون من السفه والضلال.

قال الشيخ رحمه الله: ويذكر عن بعضهم أنه كان يأتي ابنه ويدعي أنه الله رب العالمين(2) فقبح الله طائفة يكون إلهها الذي تعبده هو موطوءها الذي تفترشه.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: في النونية عن هذه الطائفة:

فالقوم ما صانوه عن إنس ولا جن ولا شجر ولا حيوان

لكنه المطعوم والملبوس والـ مشموم والمسموع بالآذان

وكذاك قالوا إنه المنكوح والـ مذبوح بل عين الغوي الزاني

إلى أن قال:

هذا هو المعبود عندهم فقل سبحانك اللهم ذا السبحان

يا أمة معبودها موطوؤها أين الإله وثغره الطعان

يا أمة قد صار من كفرانها جزءاً يسيراً جملة الكفران





فصل

ولا يتم الإسلام إلا بالبراءة مما سواه كما قال الله تعالى: عن إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم: ) وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون. إلا الذي فطرني فإنه سيهدين. وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون ( (1).

وبين أن لنا فيه أسوة حسنة فقال تعالى: ) قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاءو منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده( (2). وقال تعالى: ) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق ( (3). وقال تعالى: ) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين . فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ( (4). وقال تعالى: ) لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ( (5).

والبراءة نوعان:

الأول: براءة من عمل.

الثاني: براءة من عامل.

فأما البراءة من العمل: فتجب من كل عمل محرم سواء كان كفراً، أم دونه فيبرأ المؤمن من الشرك، والزنى، وشرب الخمر ونحو ذلك بحيث لا يرضاه ولا يقره، ولا يعمل به، لأن الرضا بذلك، أو إقراره، أو العمل به مضادة لله تعالى: ورضا بما لا يرضاه.

وأما البراءة من العامل: فإن كان عمله كفراً وجبت البراءة منه بكل حال من كل وجه لما سبق من الآيات الكريمة، ولأنه لم يتصف بما يقتضي ولاءه.

وإن كان عمله دون الكفر وجبت البراءة منه من وجه دون وجه فيوالى بما معه من الإيمان والعمل الصالح، ويتبرأ منه بما معه من المعاصي، لأن الفسوق لا ينافي أصل الإيمان، فقد يكون في الإنسان خصال فسوق، وخصال طاعة، وخصال إيمان، و خصال كفر كما قال الله تعالى: ) وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين. إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ( (1). فجعل الله تعالى: الطائفتين المقتتلتين إخوة للطائفة المصلحة، ووصفهم بالإيمان مع أن قتال المؤمن لأخيه من خصال الكفر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ". ولم تكن هذه الخصلة الكفرية منافية لأصل الإيمان ولا رافعة للأخوة الإيمانية. ولا ريب أن الأخوة الإيمانية مقتضية للمحبة والولاية ويقوى مقتضاها بحسب قوة الإيمان والاستقامة.

وهذا الأصل ـ أعني أنه قد يجتمع في الإنسان خصلة إيمان، وخصلة كفر ـ هو ما دل عليه الكتاب، والسنة، وكان عليه السلف والأئمة، فتكون المحبة والولاية تابعة لما معه من خصال الإيمان، والكراهة والعداوة تابعة لما عنده من خصال الكفر.



فصل

المؤمن مأمور بفعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ( (1). وقال: ) إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ( (2). وقال عن لقمان: ) يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور((3).وقال وبشر الصابرين ( (4).

ومأمور في جانب الطاعة بالإخلاص والاستغفار قال الله تعالى: ) فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ( (5).

وقال: ) أن لا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير.وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه((6). وقال تعالى: ) قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه((7). وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة ". وقال: "إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة " أخرجهما مسلم.

وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة ".

والجامع لهذا: أنه لابد في الأمر من أصلين، ولابد في القدر من أصلين أيضاً.

أما الأصلان في الأمر فهما:

أصل قبل العمل أو مقارن له وهو: الاجتهاد في الامتثال علماً، وعملاً فيجتهد في العلم بالله تعالى:، وأسمائه وصفاته، وأحكامه، ثم يعمل بما يقتضيه ذلك العلم من تصديق الأخبار، والعمل بالأحكام، فعلاً للمأمور، وتركاً للمحظور.

والثاني: أصل بعد العمل وهو الاستغفار والتوبة من التفريط في المأمور، أو التعدي في المحظور ولهذا كان من المشروع ختم الأعمال بالاستغفار كما قال الله تعالى: ) والمستغفرين بالأسحار ( (1). فقاموا الليل وختموه بالاستغفار، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً. وآخر سورة نزلت عليه سورة النصر ) إذا جاء نصر الله والفتح . ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً . فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً ( (2). فكان بعد نزولها يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي. وكان نزولها إيذاناً بقرب أجله صلى الله عليه وسلم كما قال ابن عباس رضي الله عنهما في مجلس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمحضر من الصحابة فأقره عمر رضي الله عنه وقال: ما أعلم منها إلا ما تقول.

وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول قبل أن يموت: سبحانك وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك. فجعل الاستغفار والتوبة خاتمة العمر كما جعلتا خاتمة العمل.

وأما الأصلان في القدر فهما:

أصل قبل المقدور وهو: الاستعانة بالله عز وجل، والاستعاذة به، ودعاؤه رغبة ورهبة فيكون معتمداً على ربه، ملتجئاً إليه في حصول المطلوب ودفع المكروه.

والثاني بعد المقدور وهو: الصبر على المقدور حيث يفوت مطلوبه، أو يقع مكروهه فيوطن نفسه عليه بحيث يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الحال لا يمكن أن تتغير عما قدره الله تعالى: فيرضى بذلك ويسلم وينشرح صدره ويذهب عنه الندم والحزن كما قال الله تعالى: ) ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم ( (3). قال ابن عباس رضي الله عنهما: يهد قلبه لليقين فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وقال علقمة في الآية: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.

فإذا راعى الأمر والقدر على الوجه الذي ذكرنا كان عابداً لله تعالى: مستعيناً به متوكلاً عليه من الذين أنعم الله عليهم . وقد جمع الله بين هذين الأصلين في أكثر من موضع كقوله تعالى: )إياك نعبد وإياك نستعين ( (4). وقوله: ) فاعبده وتوكل عليه ( (5). وقوله: ) وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ( (6).

فصل

والناس في هذا المقام مقام الشرع والقدر أربعة أقسام:

الأول: من حققوا هذه الأصول الأربعة: أصلي الشرع، وأصلي القدر وهم المؤمنون المتقون الذين كان عندهم من عبادة الله تعالى: والاستعانة به ما تصلح به أحوالهم، فكانوا لله، وبالله، وفي الله، وهؤلاء أهل القسط والعدل الذين شهدوا مقام الربوبية والألوهية، وهم أعلى الأقسام فإن هذا مقام الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، والشهداء، والصالحين.

الثاني: من فاتهم التحقيق في أصلي القدر فكان عندهم من عبادة الله تعالى: والاستقامة في شرعه ما عندهم، لكن ليس عندهم قوة في الاستعانة بالله والصبر على أحكامه الكونية والشرعية، فيصيبهم عند العمل من العجز والكسل ما يمنعهم من العمل أو إكماله، ويلحقهم بعد العمل من العجب والفخر ما قد يكون سبباً لحبوط عملهم وخذلانهم، وهؤلاء أضعف ممن سبقهم وأدنى مقاماً وأقل عدلاً، لأن شهودهم مقام الإلهية غالب على شهود مقام الربوبية.

الثالث: من فاتهم التحقيق في أصلي الشرع فكانوا ضعفاء في الاستقامة على أمر الله ومتابعة شرعه، لكن عندهم قوة في الاستعانة بالله والتوكل عليه، ولكن قد يكون ذلك في أمور لا يحبها الله تعالى: ولا يرضاها فيعان ويمكن له بقدر حاله، ويحصل له من المكاشفات والتأثيرات ما لا يحصل للقسم الذي قبله، لكن ما يحصل له من هذه الأمور يكون من نصيب العاجلة الدنيا أما عاقبته فعاقبة سيئة، لأنه ليس من المتقين وإنما العاقبة للمتقين قال الله تعالى: ) فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون . ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون ( (1). فالله تعالى: يعلم أن هؤلاء سيشركون بعد أن ينجيهم لكن لما كانوا في البحر كانوا مخلصين في دعائهم الله تعالى: أن ينجيهم صادقين في تفويض الأمر إليه حصل مرداهم، ولما لم يكن لهم عبادة لم يستقم أمرهم وكان عاقبة أمرهم خسراً.

فالفرق بين هؤلاء وبين القسم الذين قبلهم أن الذين قبلهم كان لهم دين ضعيف لضعف استعانتهم بالله وتوكلهم عليه، لكنه مستمر باق إن لم يفسده صاحبه بالعجز والجزع. وهؤلاء لهم حال وقوة لكن لا يبقى لهم إلا ما وافقوا فيه الأمر واتبعوا فيه السنة.

القسم الرابع: من فاتهم تحقيق أصلي الشرع، وأصلي القدر فليس عندهم عبادة لله تعالى:، ولا استعانة به، ولا لجوء إليه عند الشدة فهم مستكبرون عن عبادة الله مستغنون بأنفسهم عن خالقهم، وربما لجؤوا في الشدائد وإدراك مطالبهم إلى الشياطين فأطاعوها فيما تريد وأعانتهم فيما يريدون فيظن الظان أن هذا من باب الكرامات، وهو من باب الإهانات لأن عاقبتهم الذل والهوان وهذا القسم شر الأقسام.

فصل

في المفاضلة والمقارنة بين أرباب البدع

نظار المتكلمين الذين يدعون التحقيق وينتسبون إلى السنة يرون التوحيد عبارة عن تحقيق توحيد الربوبية.

وطوائف من أهل التصوف الذين ينتسبون إلى التحقيق والمعرفة غاية التوحيد عندهم شهود توحيد الربوبية. ومعلوم أن هذا هو ما أقر به المشركون، وأن الرجل لا يكون به مسلماً، فضلاً عن أن يكون ولياً من أولياء الله، أو من سادات أولياء الله تعالى:.

وطائفة أخرى تقرر هذا التوحيد مع نفي الصفات، فيقعون في التقصير والتعطيل وهذا شر من حال كثير من المشركين.

والجهم بن صفوان إمام الجهمية نفاة الصفات يغلو في القضاء والقدر ويقول بالجبر، فيوافق المشركين في قولهم : لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء، لكنه يثبت الأمر والنهي فيفارق المشركين إلا أنه يقول بالإرجاء فيضعف الأمر والنهي والعقاب عنده، لأن فاعل الكبيرة عنده مؤمن كامل الإيمان غير مستحق للعقاب.

والنجارية أتباع الحسين بن محمد النجار والضرارية أتباع ضرار بن عمرو وحفص الفرد يقربون من جهم في مسائل القدر والإيمان مع مقاربتهم له أيضاً في نفي الصفات.

والكلابية أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب والأشعرية المنتسبون لأبي الحسن الأشعري خير من هؤلاء في باب الصفات فإنهم يثبتون لله الصفات العقلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وأما في القدر ومسائل الأسماء والأحكام فأقوالهم متقاربة.

وأصحاب ابن كلاب كالحارث المحاسبي خير من الأشعرية في هذا وهذا.

والكرامية أتباع محمد بن كرام قولهم في الصفات، والقدر، والوعد، والوعيد أشبه من أكثر طوائف أهل الكلام التي في أقوالها مخالفة للسنة.

وأما في الإيمان فقولهم منكر لم يسبقهم إليه أحد، فإنهم جعلوا الإيمان قول اللسان فقط وإن لم يكن معه تصديق القلب، فالمنافق عندهم مؤمن ولكنه مخلد في النار.

والمعتزلة أتباع واصل بن عطاء الذي اعتزل مجلس الحسن البصري يقاربون قول جهم في الصفات فيقولون بنفيها، وأما في القدر والأسماء والأحكام، فيخالفونه ففي القدر يقولون: إن العبد مستقل بعمله كامل الإرادة فيه، ليس لله في عمله تقدير، ولا خلق. ففيهم نوع من الشرك من هذا الباب.

وجهم يقول: إن العبد مجبر على عمله، وليس له إرادة فيه.

وفي الأسماء والأحكام يقول المعتزلة: إن فاعل الكبيرة خارج عن الإيمان غير داخل في الكفر فهو في منزلة بين منزلتين، ولكنه مخلد في النار.

ويقول جهم إنه مؤمن كامل الإيمان غير مستحق لدخول النار.

والمعتزلة خير من الجهمية فيما خالفوهم فيه من القدر والأسماء والأحكام فإن إثبات الأمر والنهي، والوعد والوعيد، مع نفي القدر خير من إثبات القدر مع نفي الأمر والنهي، والوعد والوعيد، ولهذا لم يوجد في زمن الصحابة والتابعين من ينفي الأمر والنهي، والوعد والوعيد ووجد في زمنهم القدرية، والخوارج الحرورية.

وإنما يظهر من البدع أولاً ما كان أخف، وكلما ضعف من يقوم بنور النبوة قويت البدعة، وكلما كان الرجل إلى السلف والأئمة أقرب كان قوله أعلى وأفضل.

والمتصوفة الذين يشهدون الحقيقة الكونية مع إعراضهم عن الأمر والنهي شر من القدرية المعتزلة ونحوهم، لأن هؤلاء المتصوفة يشبهون المشركين الذين قالوا: ) لو شاء الله ما أشركنا ( (1). والقدرية يشبهون المجوس الذين قالوا: " إن للعالم خالقين " والمشركون شر من المجوس.

أما الصوفية الذين عندهم شيء من تعظيم الأمر والنهي مع مشاهدة توحيد الربوبية وإقرارهم بالقدر فهم خير من المعتزلة، لكنهم معتزلة من وجه آخر حيث جعلوا غاية التوحيد مشاهدة توحيد الربوبية، والفناء فيه فاعتزلوا بذلك جماعة المسلمين وسنتهم، وقد يكون ما وقعوا فيه من البدعة شراً من بدعة أولئك المعتزلة.

وكل هذه الطوائف عندها من الضلال والبدع بقدر ما فارقت به جماعة المسلمين وسنتهم. ودين الله تعالى: ما بعث به رسله وأنزل به كتبه، وهو الصراط المستقيم طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه خير الأمة التي هي خير الأمم.

وقد أمرنا الله تعالى: أن نقول في صلاتنا: ) اهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ( (2).

فالمغضوب عليهم كاليهود عرفوا الحق فلم يتبعوه، والضالون كالنصارى عبدوا الله بغير علم، وكان يقال: تعوذوا بالله من فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً بيده ثم قال: " هذا سبيل الله مستقيماً". وخط عن يمينه وشماله ثم قال: "هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعـو إليه، ثم قرأ: ) وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله((3)وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: " يا معشر القراء استقيموا وخذوا طريق من قبلكم فوالله لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقاً بعيداً، ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً ". وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: " من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله تعالى: لصحبه نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم على الهدى المستقيم".



نسأل الله تعالى: أن يجعلنا منهم وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا.

والحمد لله رب العالمين.

تم في 22/5/1410هـ

تمت مقابلتها على صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين.

وذلك يوم الأربعاء الموافق 5/6/1412 هـ بمدينة الرياض والله الموفق.



كتبه: فهد بن ناصر السليمان


--------------------------------------------------------------------------------

(1) سورة التوبة، الآية 100.

(1) 10/354-368.

(2) 7/61 تهذيب سنن أبي داود.

(1) ر 13/253 فتح.

(2) ر 7 من اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم.

(1) ر 833-839 شرح الهراس ط الإمام.

(2) مدينة قديمة بوسط سورية ر 500 من الموسوعة العربية الميسرة.

(3) ومما حذفت القاعدة السابعة لأنها غير موجودة في بعض النسخ ويغني عنها ما سبقها من القواعد.

(1) سورة البقرة، الآية: 255.

(2) سورة النساء، الآية: 36.

(1) سورة النساء، الآية: 136.

(2) سورة الأنفال، الآيات: 20-23.

(3) سورة الشورى، الآية: 11.

(4) سورة الأعراف، الآية: 180.

(5) سورة الشورى، الآية: 11.

(6) سورة النحل، الآية: 74.

(7) سورة الإسراء، الآية: 36.

(1) سورة الأعراف، الآية: 180.

(2) سورة النحل، الآية: 60.

(3) سورة المؤمنون: الآية: 91.

(4) سورة ق، الآية: 38.

(5) سورة الشورى،الآية:11.

(6) سورة مريم،الآية:65.

(7) سورة الإخلاص،الآية:4.

(1) سورة النساء، الآية: 58.

(2) سورة الإنسان، الآية: 2.

(3) سورة الشورى، الآية: 11.

(4) سورة البقرة، الآية: 235.

(5) سورة الممتحنة، الآية: 10.

(6) سورة طه، الآية:98.

(7) سورة آل عمران: الآية: 5.

(8) سورة الإسراء، الآية: 85.

(1) سورة الشورى، الآية: 11.

(2) سورة النحل، الآية: 74.

(1) سورة الزخرف، الآية: 3.

(2) سورة ص، الآية: 29.

(3) سورة إبراهيم، الآية: 4.

(4) سورة النساء، الآية: 176.

(5) سورة الزمر، الآية: 7.

(1) أي من الزائغين عن سبيل الرسل وأتباعهم.

(1) ر 5 / 29 م ف ق.

(1) سورة الكهف، الآية: 58.

(2) سورة يونس، الآية: 107.

(1) سورة الأعراف، الآية: 180.

(2) سورة النحل، الآية: 60.

(3) سورة الشورى، الآية: 11.

(4) سورة مريم، الآية: 42.

(1) سورة الحشر، الآية: 23.

(2) ر 3/ 72 م ف ق.

(1) معنى قولهم : بشرط الإطلاق أنه مطلق عن أي صفة ثبوتية لأن الصفة تقيد الموصوف.

(2) سورة البقرة، الآية: 85.

(3) سورة النساء، الآيتان: 150-151.

(1) سورة الطور، الآية: 35.

(2) ر: 6/ 43 م ف ق.

(1) سورة النحل، الآيتان: 20-21.

(1) نقله المؤلف رحمه الله بالمعنى . والمحفوظ من لفظهما الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول). والخطب في ذلك سهل.

(1) سورة المؤمنون، الآية: 28.

(2) سورة الزخرف، الآية: 13.

(1) سورة الزخرف، الآية: 3.

(2) سورة السجدة، الآية: 17.

(3) سورة الشورى، الآية: 11.

(1) سورة الإسراء، الآية: 85.

(1) سورة الشورى، الآية: 11.

(2) سورة النحل، الآية: 60.

(1) سورة الفرقان، الآية: 58.

(2) سورة الحديد، الآية: 3.

(3) سورة البقرة، الآية: 255.

(4) سورة طه، الآية: 52.

(5) سورة الأنفال، الآية: 75.

(6) سورة فاطر، الآية: 44.

(7) سورة الطلاق، الآية: 12.

(8) سورة ق، الآية: 38.

(9) سورة الدخان، الآيتان: 38-39.

(10) سورة الملك، الآية: 2.

(11) سورة الممتحنة، الآية: 10.

(1) سورة الفرقان، الآية: 58.

(2) سورة طه، الآية: 52.

(3) سورة فاطر، الآية: 44.

(4) سورة البقرة، الآية 255.

(5) سورة ق، الآية: 38.

(6) سورة الأحقاف، الآية: 33.

(7) سورة الكهف، الآية: 49.

(8) سورة فاطر، الآية: 44.

(1) سورة النحل، الآية: 60.

(2) المحايث: المداخل. ر 5 / 269 مجموع الفتاوى لابن القاسم.

(1) محمود بن سبكتكين أحد كبار القادة يمين الدولة وأمين الملة استولى على الإمارة سنة 389 وأرسل إليه القادر بالله الخليفة العباسي خلعة السلطنة فقصد بلاد خراسان وامتدت سلطنته من أقاصي الهند إلى نيسابور كان تركي الأصل فصيحاً بليغاً حازماً صائب الرأي شجاعاً مجاهداً فتح في بلاد الكفار من الهند فتوحات هائلة لم تتفق لغيره من الملوك لا قبله ولا بعده ومع ذلك كان في غاية الديانة والصيانة يكره المعاصي والملاهي وأهلها ويحب العلماء والصالحين ويجالسهم ويناظرهم مات في غزنة سنة 421 – 422 هـ عن ثلاث وستين سنة تولى الإمارة فيها ثلاثاً وثلاثين سنة رحمه الله وأكرم مثواه.

(2) هو أبو بكر بن فورك المتكلم المعروف.

(3) انظر الرد على الطائفة الرابعة غلاة الغلاة ص 24.

(1) سورة النساء، الآية: 136.

(2) سورة النساء، الآية: 170.

(3) سورة البقرة، الآية: 140.

(4) سورة النساء، الآية: 87.

(5) سورة الفرقان، الآية: 33.

(6) سورة الزمر، الآية: 23.

(7) سورة الشعراء، الآيات193- 195 .

(8) سورة النساء، الآية: 26.

(9) سورة النساء، الآية: 176.

(1) سورة النحل، الآية 44.

(2) سورة النحل، الآية 89.

(1) سورة الشعراء، الآيتان: 192-195 .

(2) سورة الزخرف، الآية: 3.

(3) سورة الأعراف، الآية: 3.

(4) سورة النساء، الآية: 26.

(5) سورة النساء، الآية: 176.

(6) سورة النحل، الآية 44.

(7) سورة الشورى، الآية: 52.

(1) سورة الفرقان: الآية: 58.

(2) سورة البقرة، الآية: 29.

(3) سورة المائدة، الآية: 120.

(4) سورة الشورى، الآية 11.

(5) سورة طه، الآية: 5.

(6) سورة المائدة، الآية: 54.

(7) سورة المائدة، الآية: 119.

(8) سورة التوبة، الآية: 46.

(9) سورة النساء، الآية : 93.

(10) سورة الرحمن، الآية: 27.

(11) سورة المائدة، الآية: 64.

(1) سورة القمر، الآية: 14.

(2) سورة هود، الآية: 38.

(3) سورة القمر، الآيات: 10-14.

(1) سورة طه، الآية: 5.

(1) سورة المائدة، الآية: 64.

(2) سورة الزمر، الآية: 67.

(3) سورة البقرة، الآية: 164.

(1) سورة الزمر، الآية: 67.

(2) سورة ص، الآية: 75.

(3) سورة يس، الآية: 71.

(4) سورة الشورى، الآية: 30.

(5) سورة الزمر، الآية: 51.

(1) سورة الشورى، الآية: 75.

(2) سورة ص، الآية: 75.

(3) سورة يس، الآية: 71.

(1) سورة الشورى، الآية: 11.

(2) سورة النساء، الآية: 26.

(3) سورة النساء، الآية: 176.

(4) سورة الأعراف، الآية: 33.

(1) سورة الأعراف، الآية: 180.

(2) سورة فصلت، الآية: 40.

(3) سورة الذاريات، الآية 47.

(1) سورة الملك، الآية: 16.

(2) سورة الملك، الآية: 16.

(3) سورة النمل، الآية: 60.

(4) سورة آل عمران، الآية: 137.

(5) سورة طه، الآية: 71.

(6) سورة الملك، الآية: 16.

(1) سورة ص، الآية: 29.

(2) سورة النساء، الآية: 82.

(3) سورة محمد، الآية: 24.

(1) (وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم).

(2) (إنه لقرآن كريم).

(3) (ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم).

(4) (بل هو قرآن مجيد).

(5) (حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون).

(6) سورة البقرة، الآية: 78.

(7) سورة آل عمران، الآية: 7.

(1) سورة طه، الآية: 110.

(2) سورة الإسراء، الآية: 36.

(3) سورة الأعراف، الآية: 33.

(1) سورة يوسف، الآية: 36.

(2) سورة الأعراف، الآية: 53.

(3) سورة يوسف، الآية: 100.

(4) سورة النصر، الآيات: 1-3.

(5) سورة البقرة، الآية: 275.

(6) سورة آل عمران، الآية: 7.

(1) سورة النحل، الآية: 1.

(2) سورة النحل، الآية: 98.

(1) سورة طه، الآية: 5.

(1) سورة يونس، الآية: 1.

(2) سورة الزمر، الآية: 23.

(3) سورة آل عمران، الآية: 7.

(4) سورة الأنعام، الآية: 115.

(5) سورة النساء، الآية: 82.

(6) سورة البقرة، الآية: 185.

(7) سورة النساء، الآية: 36.

(1) توهم ما لا يليق بالله عز وجل.

(2) سورة يس، الآية: 12.

(3) سورة الحجر، الآية: 9.

(4) سورة البقرة: الآية: 163.

(5) سورة المائدة، الآية: 73.

(1) توهم ما لا يليق برسول الله صلى الله عليه وسلم.

(2) سورة القصص، الآية: 56.

(3) سورة الشورى، الآية: 52.

(4) توهم ما لا يليق بالقرآن.

(5) سورة يونس، الآية: 94.

(6) سورة البقرة، الآية: 285.

(7) سورة الأعراف، الآية: 158.

(9) في معنى هذه الآية أقوال. أظهرها أنه إن كان للرحمن ولد ـ على سبيل الفرض الممتنع ـ فإن ذلك لن يحملني على عبادة ذلك الولد بل سأكون أول العابدين لله ولن أعبد الولد وذلك لأن المعبود لم يذكر فيها فنصرف المعني إلى من لا تصح العبادة إلا له وهو الله تعالى.

(10) سورة مريم: الآية: 92.

(1) سورة آل عمران، الآيتان: 7- 8 .

(1) سورة طه، الآية: 110.

(2) سورة الأنعام، الآية: 103.

(3) سورة السجدة، الآية: 17.

(4) سورة النحل، الآية: 89.

(5) سورة آل عمران، الآية: 138.

(1) سورة القيامة، الآيتان: 18- 19.

(2) سورة النساء، الآية: 174.

(3) سورة البقرة، الآية: 185.

(4) سورة الشورى، الآية: 11.

(1) سورة الفرقان، الآية: 58.

(2) سورة الروم، الآية: 19.

(1) سورة الرحمن، الآيتان: 26، 27.

(1) سورة النحل، الآية: 60.

(1) سبق الكلام على الأصل الأول " الصفات ".

(2) سورة الحج، الآية 70.

(3) سورة الأنعام، الآية:59.

(1) سورة الزمر، الآيتان :62، 63.

(2) سورة الفرقان ، الآية :2.

(3) سورة الصافات، الآية: 96.

(4) سورة إبراهيم: الآية: 27.

(5) سورة الرعد، الآية: 26.

(6) سورة التكوير، الآيتان 28:، 29.

(7) سورة البقرة، الآية: 253.

(8) سورة الروم، الآيات: 48-50.

(1) سورة المائدة، الآيتان: 15، 16.

(2) سورة الأنبياء، الآية: 69.

(3) سورة آل عمران، الآية: 152.

(4) سورة القلم، الآية: 25.

(5) سورة النساء، الآية: 66.

(6) سورة فصلت، الآية 46.

(1) سورة التكوير، الآيتان: 28، 29.

(2) سورة الأنعام، الآية: 148.

(3) سورة الأنعام، الآية: 148

(4)سورة النساء، الآية 165:.

(5) سورة الليل، الآيات: 5-10.

(1) سورة هود، الآية: 101

(2) سورة الأنعام، الآيتان: 106-107.

(1) سورة الأنعام، الآية: 148.

(2) سورة الزخرف، الآية: 20.

(3) ما بين القوسين مني.

(1) سورة الحديد، الآية: 22-23.

(1) سورة الفاتحة، الآية: 5.

(2) سورة الأعراف، الآية: 54.

(3) سورة الأنعام، الآية: 148.

(4) سورة الأعراف، الآية: 12.

(1) سورة الذاريات، الآية: 56.

(2) سورة آل عمران، الآية: 85.

(3) سورة يونس، الآية: 72.

(4) سورة آل عمران، الآية: 67.

(5) سورة البقرة، الآيتان: 131، 132.

(6) سورة يونس، الآية: 84.

(7) سورة المائدة، الآية: 44.

(8) سورة المائدة، الآية: 111.

(9) سورة النمل، الآية: 44.

(10) سورة الأنعام،الآيتان: 162، 163.

(1) سورة الحج، الآية: 78.

(2) سورة آل عمران، الآية: 81.

(3) سورة المائدة، الآية: 48.

(4)سورة التوبة، الآية: 33.

(5) سورة آل عمران، الآية: 19.

(6) سورة آل عمران، الآية: 85.

(1) سورة الأنبياء، الآية: 108.

(2) سورة مريم، الآية: 65.

(3) سورة الأعراف، الآية: 54.

(4) سورة آل عمران، الآية: 189.

(5) سورة سبأ، الآيتان، 22، 23.

(6) سورة الزخرف، الآية: 87.

(7) سورة لقمان، الآية: 25.

(8) سورة يونس، الآية: 31.

(9) سورة المؤمنون، الآيات: 84-90.

(1) سورة النازعات،الآية:24.

(2) سورة القصص، الآية: 38.

(3) سورة الإسراء، الآية: 102.

(4) سورة النمل، الآية: 14.

(1) سورة النساء، الآية: 36.

(2) سورة الأنبياء، الآية: 25.

(3) سورة البقرة، الآية: 163.

(4) سورة آل عمران، الآية: 18.

(5) سورة الصافات، الآيتان: 35-36.

(6) سورة ص، الآيات: 4-6.

(7) سورة الكهف، الآية: 110.

(1) سورة الزمر، الآيتان: 2-3.

(2) سورة البينة، الآية: 5.

(3) سورة الأنعام، الآية: 88.

(4) سورة الأنعام، الآية: 153.

(5) سورة آل عمران، الآية: 85.

(1) سورة الأعراف، الآية: 157.

(2) سورة الكوثر، الآية: 2.

(3) سورة الأنعام، الآيتان: 162، 163.

(4) سورة المائدة، الآية: 23.

(5) سورة هود، الآية: 123.

(6) سورة الطلاق، الآية: 3.

(7) سورة الأنفال، الآية: 64.

(1) سورة آل عمران، الآية: 175.

(2) سورة المائدة، الآية: 44.

(3) سورة النحل، الآية: 51.

(4) سورة العنكبوت، الآية: 56.

(5) سورة البقرة، الآية: 41.

(6) سورة النحل، الآية: 52.

(7) سورة الأحزاب،الآيتان: 70، 71.

(1) سورة الأعراف، الآية: 180.

(2) سورة الأعراف، الآية: 33.

(3) سورة الإسراء، الآية: 36.

(4) سورة الشورى، الآية: 11.

(5) سورة النحل، الآية: 74.

(1) ذكر هذه الأقسام في الفتوى الحموية.

(1) سورة الذاريات، الآية: 56.

(2) سورة الأنبياء: الآية: 25.

(3) سورة النحل، الآية: 36.

(4) سورة المؤمنون، الآية: 32.

(5) سورة الحج، الآية: 62.

(6) سورة هود، الآية: 32.

(7) سورة هود، الآيتان: 53-55.

(1) سورة الأنبياء، الآيات: 66-69.

(2) سورة الأنبياء، الآية: 36.

(3) سورة ص، الآيات: 4-6.

(4) سورة الممتحنة، الآية: 2.

(1) سورة العنكبوت، الآية: 61.

(2) سورة الزخرف، الآية: 87.

(3) سورة ص، الآية: 5.

(1) سورة الصافات:الآيتان:35، 36.

(1) سورة الرحمن، الآيتان: 26، 27.

(2) سورة الإسراء، الآية: 19.

(3) سورة النحل، الآية: 97.

(4) سورة الرعد، الآية: 22.

(5) سورة المنافقون، الآية: 9.

(1) سورة النجم، الآية: 17.

(2) سورة النجم، الآية: 11.

(1) ر: 2/172 مج ف ق.

(2) ر: 2/378 مج ف ق.

(1) سورة الزخرف، االآيات: 26-28.

(2) سورة الممتحنة، الآية: 4.

(3) سورة الممتحنة، الآية: 1.

(4) سورة المائدة، الآيتان: 51-52.

(5) سورة المجادلة، الآية: 22.

(1) سورة الحجرات، الآية: 9.

(1) سورة آل عمران، الآية: 200.

(2) سورة يوسف، الآية: 90.

(3) سورة لقمان، الآية: 17.

(4) سورة البقرة، الآية: 155.

(5) سورة محمد، الآية: 19.

(6) سورة هود، الآيتان، 2-3.

(7) سورة فصلت، الآية: 6.

(1) سورة آل عمران، الآية: 17.

(2) سورة النصر، الآيات، 1-3.

(3) سورة التغابن، الآية: 11.

(4) سورة الفاتحة، الآية: 5.

(5) سورة هود، الآية:123.

(6) سورة هود، الآية: 88.

(1) سورة العنكبوت، الآيتان 65، 66.

(1) سورة الأنعام، الآية: 148.

(2) سورة الفاتحة، الآيتان: 6-7.

(3) سورة الأنعام، الآية: 153.


 
 توقيع : ام ياسر



التعديل الأخير تم بواسطة ام ياسر ; 04-06-2014 الساعة 02:48 PM

رد مع اقتباس
قديم 04-08-2014, 08:48 PM   #2
مجلس الادارة


الصورة الرمزية ام ياسر
ام ياسر غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1878
 تاريخ التسجيل :  Jun 2012
 أخر زيارة : 11-18-2019 (05:25 PM)
 المشاركات : 53,862 [ + ]
 التقييم :  637
 SMS ~
اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أَنْ تَجْعَلَنِي فِي حِرْزِكَ وَحِفْظِكَ وَجِوَارِكَ وَتَحْتِ كَنَفِك.
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تقريب التدمرية محمد بن صالح العثيمين



مــــــــا شـــــــــــــاء اللّه لا قــــــــــــوة إلا باللّه،


 
 توقيع : ام ياسر




رد مع اقتباس
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



Loading...


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2020 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
SEO by vBSEO sh22r.com