العودة   -*™£ منتدى آل شراحيل بفيفاء£™*- > «۩۞۩- الــأقــســام الــإســــــــــلامــــــــية -۩۞۩» > 【 الــمـنـتــدى الإســـلامـــي 】
【 الــمـنـتــدى الإســـلامـــي 】 المواضيع الإسلامية والإعجاز العلمي في القرآن والسنة
التسجيل روابط مفيدة

الملاحظات

الإهداءات


لأمين (1) رحلة الإيمان

【 الــمـنـتــدى الإســـلامـــي 】


إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 12-30-2012, 08:08 PM   #1


الصورة الرمزية قيس
قيس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1949
 تاريخ التسجيل :  Oct 2012
 أخر زيارة : 01-31-2014 (08:05 PM)
 المشاركات : 6,701 [ + ]
 التقييم :  71584925
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي لأمين (1) رحلة الإيمان



الأمين (1) رحلة الإيمان


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد؛
فإن التاريخ زاخر بالأحداث العظيمة التي تفخر بها الأمم، كما أنه غني كذلك بالرجال الأفذاذ الذين يمثلون عظمة الإسلام، وكيف أنه ربّى هؤلاء الأعلام الذين جمعوا الفضائل وتنزهوا عن الرذائل، فهم خير أمة أخرجت للناس(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)(آل عمران:110).
هم ذلك الجيل الذي تفتخر البشرية بنسبته إليها، الجيل الذي ضرب أروع الأمثلة في الجهاد والبذل والدعوة والشجاعة والكرم والمروءة والصبر، الجيل الذي تربى بالإسلام، فقاموا بدين الله -عز وجل-، وقام بهم دين الله -عز وجل-، وكان كل صحابي منهم أنموذجًا فريدًا، فظهرت فيهم عظمة الإسلام وما يفعله في النفوس البشرية، وكيف لا يكون كذلك وهو منهج الله الذي ارتضاه لعباده؟! فبأمثال مصعب بن عمير وحمزة بن عبد المطلب وعبد الله بن رواحة والبراء بن مالك... وغيرهم كثير، بأمثال هؤلاء يمكِّن الله لعباده المؤمنين وينزل نصره على المخلصين.
وفي دراسة سيرهم فوائد عظيمةفمنها: تتبع آثارهم؛ ليقتدي بهم من خلفهم، فيقرأ سيرهم من لم يعاين صورهم، ويشاهد محاسنهم من لم يعاصرهم، فيعرف مناصبهم ومراتبهم، فيجد في الطلب؛ ليلحق بالركب، ويتمسك بهديهم.
فما أحوجنا في هذه الأزمنة أن نُعطر مجالسنا ونُشرف أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا بسيرتهم عسى أن تنهض منا الهمم للتأسي بهم أو نُرزق محبتهم في الدنيا فنسعد بصحبتهم في الآخرة، فالمرء مع من أحب يوم القيامة.
وفي هذا العدد نلتقي مع صفحات مشرقة من سيرة الصحابي الجليل.
"أبو عبيدة بن الجراح":
كان أبو عبيدة بن الجراح وضيء الوجه، بهي الطلعة، نحيل الجسم، طويل القامة، خفيف العارضين، ترتاح العين لمرآه وتأنس النفس للقياه، ويطمئن إليه الفؤاد.
وكان إلى ذلك رقيق الحاشية، جم التواضع -كثير التواضع-، شديد الحياء، ولكنه كان إذا حزب الأمر -اشتد الأمر- وجدّ الجدّ يغدو كأنه الليث عاديًا، فهو يشبه نصل السيف رونقًا وبهاءً، ويحاكيه -يماثله- حدةً ومضاءً.
ذلكم هو أمين أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- عامر بن محمد بن عبد الله بن الجراح الفهري القرشي، المكنى بأبي عبيدة، نعته عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- فقال: "ثلاثة من قريش أصبح الناس وجوهًا، وأحسنهم أخلاقًا، وأثبتها حياءً، إن حدثوك لم يَكْذبوك -لم يكذبوا عليك- وإن حدثتهم لم يُكذّبوك: أبو بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وأبو عبيدة بن الجراح".
عُرف أبو عبيدة -رضي الله عنه- كقائد فذ، ومع هذه الشهرة التي اكتسبها فقد طغت عليه شهرة خالد بن الوليد -رضي الله عنه-، وذلك لاتزان أبي عبيدة وهدوئه وتروِّيه، وحركية خالد وإقدامه، مع اعتراف خالد لأبي عبيدة بالفضل والقدرة والشجاعة والقوة.
لقد اختلفت طبيعة أبي عبيدة عن طبيعة خالد؛ إذ كان خالد كثير الحركة، سريع التنقل، يُحسن المناورة في القتال، ويجيد خداع العدو في الحرب، على حين كان أبو عبيدة ثابتًا في مكانه لا يزحزحه منه جيش كامل، ويتحرك نحو هدفه بهدوء وتخطيط، وإذا تقدم لا يتراجع ولو حاولت دحره فرقة كاملة.
وهذه الطبيعة هي التي أبرزت خالدًا وأعطته شهرته وخاصة لدى الشباب أصحاب العاطفة الجياشة الذين يحبون كثرة الحركة والإقدام في كل الميادين، وخاصة ميدان القتال.
إسلامه:
سمع أبو عبيدة بن الجراح -رضي الله عنه- همسًا يدور في "مكة" بين عدد من سادتها، مضمونه أن محمد بن عبد الله أصبح نبيًّا وصاحب رسالة، فانطلق عامر بن الجراح -رضي الله عنه- إلى دار أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- فلقيه واستفسر منه في مجلس طويل جمعهما، فبين له الصديق حقيقة الدعوة وسر الرسالة التي مازالت في مهدها، فعدد الذين دخلوا في دين محمد -صلى الله عليه وسلم- ما يزال قليلاً، وتواعد الرجلان على لقاء محمد -صلى الله عليه وسلم- في اليوم التالي، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يدخل دار الأرقم بن أبي الأرقم بعد.
وفي اليوم التالي وجد أبو عبيدة عددًا من الرجال يقصدون مقصده ويطلبون لقاء محمد -صلى الله عليه وسلم-، وقد اتفق الجمع على سرية اللقاء؛ لأن الدعوة ما زالت سرًّا.
خرج أبو عبيدة -رضي الله عنه- في جنح الظلام ومعه عثمان بن مظعون، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد -رضي الله عنهم- حتى أتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
فعرض الرسول -صلى الله عليه وسلم- حقيقة دينه السامي ودعوته المباركة، وامتدت الأيادي المباركة، واشرأبت النفوس الطاهرة، وتاقت الأفئدة وهوت إلى دين الله، فكان من الفوج الأول الذي نطق الشهادة أمام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو أبو عبيدة وأصحابه، وصافحت الأيادي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكل منهم قال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله"، فكانوا القواعد الأولى التي أقيم عليها صرح الإسلام العظيم.
فاغتبط الرسول -صلى الله عليه وسلم- وانشرح صدره لانضمام هذه الكوكبة إلى ركب الإيمان، وانتظامها في رحلة الخير، وبناء الدعوة المباركة، ومضى الرجال كل إلى غايته، يقصد داره، ويستعيد حديث محمد -صلى الله عليه وسلم- عن الدين المبارك الجديد.
ولم يخف الخبر عن أهل أبي عبيدة -رضي الله عنه- وتعارض إسلامه مع رغبة أبيه، وبدأت بين أمين الأمة وأهله حربًا لا هوادة فيها، وحاولوا أن يثنوه عن إسلامه، وقاوموه مقاومة عنيفة فلم يتراجع، ولم يتردد، ولم يساوره شك فيما فعل، ووصل الأمر إلى حد المقاطعة، فلم يعر بالاً ولم يأبه، واشتد أهله عليه، ولم يتركوا شيئًا يثنيه عن الإسلام إلا وقد فعلوه، إلا أنه تماسك ولم يضعف، فقد كان أبو عبيدة قوي الإيمان، مخلص القلب، صفي النفس، فلم يتأثر بتهديد أبيه، وبوعيد أهله.
وحاولت قريش زيادة الضغط؛ ليرجع أبو عبيدة عن الدخول في دين محمد -صلى الله عليه وسلم-، فجعل الأشراف منهم يعيرون عبد الله بن الجراح والده، يقولون له: إن ولدك أبا عبيدة دخل في دين الإسلام، وخالف أمرك، واتبع محمدًا في دينه الذي يخالف دين آبائنا وأجدادنا، فماذا أنت صانع به؟!
صبر واتباع:
ومنذ أن أسلم أبو عبيدة خلع كل ما ورثه من مخلفات الجاهلية، ومع طبعه الهادئ وصمته الدائم لم يلفت النظر إلى ما أصابه من أذى في سبيل إسلامه، فقد كان يُنفذ تعاليم الإسلام بشكل دقيق ويتقيد بأوامر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصورة تامة، وكان يتلقى بأدب ويتصرف بحدود ما أمر به، ويُنفق بصمت ويساعد بهدوء، يكون أول المتطوعين، وأسبق المنفذين، همه الطاعة وحياته الإسلام، وما عدا ذلك فلا يبالي به.
لذا؛ فقد عاش أبو عبيدة تجربة المسلمين القاسية في "مكة" منذ بدايتها إلى نهايتها، وعانى مع المسلمين السابقين من عنفها وضراوتها وآلامها وأحزانها ما لم يعانه أتباع دين على ظهر الأرض، فثبت للابتلاء -الاختبار- وصدق الله ورسوله في كل موقف، لكن محنة أبي عبيدة يوم "بدر" فاقت في عنفها حسبان الحاسبين وتجاوزت خيال المتخيلين.
نتوقف ها هنا ونكمل -إن شاء الله- في العدد القادم.
تحليل وفوائد:
1- صفات مهمة في شخصية الداعي إلى الله:
لقد تميز أبو عبيدة -رضي الله عنه- بالحلم والتواضع، والحياء والرفق واللين، وطلاقة الوجه، وحسن الخلق والصدق، والإقدام والبطولة والشجاعة، والقوة في الحق، والشدة على الباطل.
2- علو الهمة في الدعوة إلى الله:
فهذا الصديق -رضي الله عنه- في اليوم التالي لإسلامه يأتي ومعه عددًا من الرجال يسيرون في جنح الظلام يقصدون النبي -صلى الله عليه وسلم- فأسلموا وكانوا القواعد الأولى التي أقيم عليها صرح الإسلام.
3- مع بداية الالتزام الحق يبدأ البلاء:
فهي سنة كونية ماضية، قال ورقة بن نوفل للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ" فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:(أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟!) قَالَ:"نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِيَ"(متفق عليه).
وأنت -أخي الحبيب- مع أولى خطوات الالتزام الصادق ربما تجد حربًا لا هوادة فيها من أعز وأقرب الناس إليك بدعوى أنهم يريدون لك المصلحة، يحاربون لحيتك، يحاربون أفكارك وما تعلمته من دين الله، يحاربون ثوبك الذي تلبسه، يحاربون أصدقاءك الجدد الملتزمين، يقطعون لك الكتب أو يحرقونها في محاولة يائسة -إن شاء الله- لردك عن طريق الالتزام، قد يوفرون لك المتعة والفسحة والمصيف والقنوات والوصلات والمال مقابل ترك الالتزام، فماذا أنت صانع؟ وما هو قرارك؟.
أخي اجعل قدوتك في ذلك أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، إن أبا عبيدة أمام هذا كله لم يساوره شك في دينه، ولم يتردد ولم يعر بالاً ولم يأبه بهم ولم يضعف ولم يترك الالتزام بدين الله ولا العمل من أجل هذا الدين.
ثبتني الله وإياك على دينه، وصلي اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



 
 توقيع : قيس





رد مع اقتباس
قديم 12-30-2012, 08:09 PM   #2


الصورة الرمزية قيس
قيس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1949
 تاريخ التسجيل :  Oct 2012
 أخر زيارة : 01-31-2014 (08:05 PM)
 المشاركات : 6,701 [ + ]
 التقييم :  71584925
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: لأمين (1) رحلة الإيمان



الأمين (2) يوم بدر


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله،أما بعد؛
فنلتقي في هذا العدد مع صفحة جديدة من صفحات "أبي عبيدة بن الجراح" المشرقة، فقد عاش "أبو عبيدة" تجربة المسلمين القاسية في "مكة" منذ بدايتها إلى نهايتها، وعانى مع المسلمين السابقين من عنفها وضراوتها، وآلامها وأحزانها ما لم يعانيه أتباع دين على ظهر الأرض، فثبت للابتلاء وصدق الله ورسوله في كل موقف، ولكن محنة أبي عبيدة يوم "بدر" فاقت في عنفها حسبان الحاسبين وتجاوزت خيال المتخيلين... فإلى هناك.
يوم "بدر":
انطلق أبو عبيدة يوم "بدر" يصول بين الصفوف صولة من لا يهاب الموت، فحذره فرسان قريش، وجعلوا يتنحون عنه كلما واجهوه، لكن رجلاً واحدًا منهم جعل يبرز لأبي عبيدة في كل اتجاه، فكان أبو عبيدة ينحرف عن طريقه ويتحاشى لقاءه، ولج الرجل في الهجوم، وأكثر أبو عبيدة من التنحي، وسد الرجل على أبي عبيدة المسالك، ووقف حائلاً بينه وبين قتال أعداء الله، فلما ضاق به ذرعًا؛ ضرب رأسه بالسيف ضربة فلقت هامته فلقتين، فخر الرجل صريعًا بين يديه.
لا تحاول -أيها القارئ الكريم- أن تخمن من يكون الرجل الصريع... ولربما يتصدع رأسك إذا عرفت أن الرجل الصريع هو: "عبد الله" والد أبي عبيدة... نعم والد أبي عبيدة، لم يقتل أبو عبيدة أباه، وإنما قتل الشرك في شخص أبيه، وانتهت غزوة "بدر" بانتصار المسلمين انتصارًا ساحقًا، وهزيمة منكرة للمشركين، وشاع بين المسلمين أن أبا عبيدة قتل أباه المشرك، فقال أبو عبيدة "والله ما قتلته ولكن الله قتله" .
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)(متفق عليه).
ونزل قول الله -تعالى- يقر عين الصحابي الجليل أبي عبيدة بن الجراح، قال -عز وجل-:(لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(المجادلة:22).
لم يكن ذلك عجيبًا من أبي عبيدة، فقد بلغ من قوة إيمانه بالله ونصحه لدينه، والأمانة على أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- مبلغا طمحت إليه نفوس كبيرة عند الله.
أمين الأمة:
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ)(رواه البخاري)، روى محمد بن جعفر قال: قدم وفد من النصارى على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا أبا القاسم، ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا؛ ليحكم بيننا في أشياء من أموالنا اختلفنا فيها، فإنكم عندنا معشر المسلمين مرضيون، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين)، فقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: فرحت إلى صلاة الظهر مبكرا، وإني ما أحببت الإمارة حبي إياها يومئذ؛ رجاء أن أكون صاحب هذا النعت، فلما صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الظهر، جعل ينظر عن يمينه وعن يساره، فجعلت أتطاول له؛ ليراني، فلم يزل يقلب بصره فينا حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح، فدعاه فقال: (اخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه). فقلت: ذهب بها أبو عبيدة.
أخي الحبيب، لم يكن أبو عبيدة -رضي الله عنه- في يوم من الأيام راغبًا في زعامة أو سلطان، لقد كان أمر الدنيا هينًا على أبي عبيدة، فلم يرغب في الإمارة، ولم يعمل لها، ولا يريد المنازعة في أمر لا يعود على المسلمين بخير ولا يتوقف عليه حكم..لقد صغرت الدنيا في عينيه؛ فعظم في أعين الناس..
وإلى اللقاء، وفي العدد القادم -إن شاء الله- مع صفحة أخرى مشرقة من صفحات أبي عبيدة بن الجراح -رضي الله عنه-
تحليل وفوائد:
1- أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله، قال تعالى:)قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)(الممتحنة:4).
2- المبادرة.. المبادرة إلى أبواب الخير، قال عمر بن الخطاب "فرحت إلى صلاة الظهر مبكرًا، وإني ما أحببت الإمارة حبي إياها يومئذ؛ رجاء أن أكون صاحب هذا النعت" يعني: القوي الأمين.
3- العمل لله بعيدًا عن الأضواء، فلم يكن أبو عبيدة في يوم من الأيام راغبًا في زعامة أو سلطان، ولكن كان حريصًا أن يكون عمله كله لله وحده.


 
 توقيع : قيس





رد مع اقتباس
قديم 12-30-2012, 08:10 PM   #3


الصورة الرمزية قيس
قيس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1949
 تاريخ التسجيل :  Oct 2012
 أخر زيارة : 01-31-2014 (08:05 PM)
 المشاركات : 6,701 [ + ]
 التقييم :  71584925
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: لأمين (1) رحلة الإيمان



الأمين (3) يوم أحد


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلم يكن "أبو عبيدة" أمينًا فحسب، وإنما كان يجمع القوة إلى الأمانة، وقد برزت هذه القوة يوم بعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- جماعة من الصحابة يتلقون عيرًا لقريش، وأمَّر عليهم أبا عبيدة -رضي الله عنهم جميعًا- وزودهم جرابًا من تمر لم يجد لهم غيره، فكان أبو عبيدة -رضي الله عنه- يعطي الرجل من أصحابه كل يوم تمرة، فيمصها الواحد منهم كما يمص الصبي ضرع أمه، ثم يشرب عليها الماء، فكانت تكفيه يومه إلى الليل.
وقد اضطر أفراد هذه السرية إلى أن يأكلوا ورق الشجر وهو ما يعرف بـ"الخبط إذ ينفض بالمخابط ويجفف و يطحن، لذا؛ سميت هذه السرية:" سرية الخبطوكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أحد أفراد هذه السرية.
يوم "أحد":
وفي يوم "أحد" حين هزم المسلمون، وطفق صائح المشركين ينادي: "دلوني على محمد.. دلوني على محمد" كان أبو عبيدة أحد النفر العشرة الذين أحاطوا بالرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ ليذودوا عنه بصدورهم رماح المشركين.
فلما انتهت المعركة كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد كسرت رباعيته وشج جبينه، وغارت في وجنته -صلى الله عليه وسلم- حلقتان منحلق درعه، فأقبل عليه الصديق -رضي الله عنه- يريد انتزاعهما منوجنته، فقال له أبو عبيدة: "أقسم عليك أن تترك ذلك لي" فتركه، فخشي أبو عبيدة إن اقتلعهما بيده أن يؤلمرسول الله -صلى اللهعليه وسلم- فعض على أولاهما بثنيته عضًّا قويًّا محكمًا فاستخرجها، ووقعت ثنيته، ثم عض على الأخرى بثنيته الثانية فاقتلعها فسقطت ثنيته الثانية فقال أبو بكر -رضي الله عنه-:" فكان أبو عبيدة من أحسن الناس هتمًا".
لم يتخلف ولم يتأخر:
لقد شهد "أبو عبيدة" مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المشاهد كلها منذ صحبه إلى أن وافاه اليقين، ولم يكن "أبو عبيدة" في يوم من الأيام راغبًا في زعامة أو سلطان، وقد تجلى إيثاره العظيم بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فجند نفسه مجاهدًا في سبيل الدعوة إلى الله -عز وجل-.
فلما كان يوم "السقيفة" وقف "أبو عبيدة" -رضي الله عنه- موقفًا رائعًا حين احتدم النقاش بين المهاجرين والأنصار، وقف خطيبًا في الأنصار، وقال لهم: "يا معشر الأنصار، كنتم أول من آزر ونصر، فلا تكونوا أول من بدل وغيَّر"، وكانت هذه الكلمات القوية هي فيصل اللقاء، فأعادت الرشد بهدوء إلى قلوب الأنصار.
وأخذ أبو بكر -رضي الله عنه- بيد أبي عبيدة وبيدعمر، وقال: "قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم"فقالا: "لا ينبغي لأحد بعد رسول الله-صلى الله عليه وسلم- أن يكون فوقك يا أبا بكر، أنت صاحب الغار مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم -وثاني اثنين، وأمرك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين اشتكى فصليت بالناس بهذا الأمر"فأخذ عمر بيد أبي بكر وبايعه، وتسابق الناس على البيعة.
فكان "أبو عبيدة" -رضي اللهعنه- خير نصيحفي الحق، وأكرممعوان له على الخير، ومن هذا أن عليًّا -رضي الله عنه- كان قد تخلف عن بيعة أبي بكر-رضي الله عنه- فذهب إليه "أبو عبيدة" وقال له بلطفوهدوء وبشاشة: "يا ابن عم إنكحديث السن، وهؤلاء مشيخة قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر، وإنك إنتعش ويطل بك بقاء، فأنت لهذا الأمرخليق وحقيق بفضلك ودينك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك".
بهذه الكلمات الرائعة تحدث "أبو عبيدة" -رضي الله عنه-وجاء ردعلي -رضي الله عنه- عظيمًا أيضًا، قال علي لأبي عبيدة -رضي الله عنهما-: "لن تر مني إلا ما يسر، ولن ير مني أبوبكر إلا ما يرضيه".
وإلى اللقاء -إن شاء الله- في العدد القادم نتابع صفحات من سيرة أمين الأمة "أبو عبيدة بن الجراح".
تحليل وفوائد:
1- ضعف الإمكانات لا يكون عائقًا لتنفيذ الطاعات، فهاهو "أبو عبيدة" يقودجيشًا زاده جراب من تمر، فكان الإنفاق بقدر سد الحاجة أو أقل، فقد كان نصيب كل واحد تمرة واحدة في اليوم، يمصها ويشرب عليها الماء، فلا تتعلل بقلة الإمكانيات، واجتهد في تحصيل الطاعات، وحضور مجالس العلم و العلماء.
2- الدين النصيحة، لقد كان "أبو عبيدة" خير ناصح، وأكرم معوان على الخير، فقد نصح لأبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-ويجب علينا أن ننصح لإخواننا في الله،وللمسلمين عامة.
3- سلامة قلوب الصحابة -رضي الله عنهم في قول علي -رضي الله عنه-:"لن تر مني إلا ما يسر، ولن ير مني أبو بكر إلا ما يرضيه"،فأين سلامة قلوبنا؟ وإنمانعيش بالقرآن والسنة، ولننتبهلسهام العدو المصوبة إلى سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-.
أمست معاني النصر من كلماتي لأذب عن عرض الرسول بذاتي
أحمي الرسول بما ملكت منافحًا بالشعـر أكتـبه علـى الـورقـــات
لا لـم يُـضــر نـبـيـنـا بـحـديـثـكــم بـل زاد قـدرًا عــالي الـطبـقات
يفـدي النـبـي محـمـدًا كل الورى هـو مـرسـل الـرحـمـن بالآيـات
نـحـري بـنحـرك يـا محـمـد إنني متــلهـف للقـائــكــم بـمــمـاتـي
عرضي بعرضــك يا نبـي مليكنا حـان الوقـوف لعـرضكـم بثبـات


 
 توقيع : قيس





رد مع اقتباس
قديم 12-30-2012, 08:11 PM   #4


الصورة الرمزية قيس
قيس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1949
 تاريخ التسجيل :  Oct 2012
 أخر زيارة : 01-31-2014 (08:05 PM)
 المشاركات : 6,701 [ + ]
 التقييم :  71584925
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: لأمين (1) رحلة الإيمان



الأمين (4) القائد


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد توقفنا في المحطة السابقة عند هذه الكلمات الذهبية الرائعة التي تحدث بها "أبو عبيدة" لـ"علي بن أبي طالب" -رضي الله عنه-، وجاء رد "علي"-كذلك- عظيمًا رائعًا، فقد قال لأبي عبيدة -رضي الله عنه- "لن تر مني إلا ما يسر، ولن ير مني أبو بكر إلا ما يرضيه".
الله أكبر! ما أعظم وأبهى هذه الكلمات التي تبرز ذلك الحب والود والثقة والتقدير بين علي والصديق -رضي الله عنهما-! وكم تصم هذه الكلمات آذان "الروافض" الحاقدين، وتعمى عنها أبصارهم،فلا يرون إلا بعين الشيطان اللعين.
تولي أبو بكر الخلافة:
تولى "أبو بكر" -رضي الله عنه- خلافة المسلمين بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-فواصل الفتوحات الإسلامية التي بدأها النبي -صلى الله عليه وسلم-،وقد أرسل أبو بكر أربعة جيوش لفتح الشام، على كل جيش منها أمير، وأمر أن يكون "أبو عبيدة" على الجيوش الأربعة أميرًا عامًّا.
انطلق كل جيش إلى جهة من جهات بلاد "الروم"، ثم بدأ القتال بين "الروم" والمسلمين،ورأى المسلمون أن جيش "الروم" عظيم العدد،فقد بلغ تسعين ألفًا، وجيش المسلمين ستة آلاف هي في الطريق مع "عكرمة بن أبى جهل" -رضي الله عنه-وقد جاءوا معه من تهامة وعمان والبحرين، عند ذلك بعث "أبو عبيدة" إلى "أبي بكر" -رضي الله عنه- يصف له جيش "الروم"،ويطلب منه إرسال مدد آخر من الجنود.
وفى ذلك الوقت أرسل "أبو بكر" -رضي الله عنه- إلى "خالد" -رضي الله عنه- يأمره بالتوجه إلى الشام لنجدة جيش "أبي عبيدة"،وقال للناس عندما جاءته أخبار "الروم" وجيوشهم الكثيرة العدد والعدة: "والله لأنسين الروم وساوس الشياطين بخالد بن الوليد".
وكتب "أبو بكر" -رضي الله عنه- كتابًا إلى خالد -رضي الله عنه- وهو بـ"الحيرةوقال فيها: "سر حتى تأتي جموع المسلمين بـ"اليرموكولتهنئك -أبا سليمان- النية والحظوة، فأتمم؛ يتمم الله لك، ولا يدخلنك عجب؛ فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل العمل، فإن الله -عز وجل- له المن، وهو ولي الجزاء".
قطع "خالد بن الوليد" -رضي الله عنه- بجيشه طريقًا وعرًا يسمى:"صحراء السماوةوهو شديد الخطر؛ لقلة الماء فيه، ورغم تحذير الناس له من وعورة الطريقفقد مضى لا يلوي على شيء؛فقطعه في خمسة أيام... وكتب "أبو بكر" إلى "أبي عبيدة" -رضي الله عنه- يقول له: "بعثت إليك بخالد بن الوليد؛ لنجدتك ودحر جيوش "الروم"، وجعلته أميرًا على الجيش كله، فكن له مطيعًا ولا تخالفه في شيء، وأعلم أنني لم أول خالدًا إمارة الجيش؛ لأنه أفضل منك عندي، كلا..ولكني أعرف أن له معرفة بأساليب الحرب ليست لك، توكل على الله وتعاونا في الجهاد، والله لنا ولكما خير معين".
تحليل و فوائد:
سلامة قلوب أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-:
"لن تر مني إلا ما يسر، ولن ير مني أبو بكر إلا ما يرضيه"، وكأنها كلمات يسمعها رافضة اليوم المنافقين، أما نحن فلن نصل إلى سلامة القلب إلا إذا كنا مخلصين وعملنا كله لله -عز وجل-.
الإخلاص أقوى أسباب الانتصار:
كتب "أبو بكر" كتابًا لـ"خالد" -رضي الله عنه- قال فيه:"سر حتى تأتي جموع المسلمين بـ"اليرموك"، ولتهنئك -أبا سليمان- النية والحظوة،ولا يدخلنك عجب؛ فتخسر وتخذل"،وهكذا القائد الرباني يذكر جنوده بأقوى أسباب النصر.. بالإخلاص.
أخي الحبيب، فليذكر بعضنا بعضا بالإخلاص في كل أمورنا، وليحرص كل منا على تحري الصدق والإخلاص والتجرد لله -عز وجل-.
البذل والتضحية في سبيل نصرة دين الله:
فقد قطع "خالد بن الوليد" طريقًا وعرًا شديد الخطر؛ليصل بسرعة إلى جيوش المسلمين لنجدتهم، فماذا أنت فاعل في سبيل دين الله؟ ما هو بذلُك؟ وما هي تضحيتك؟ كم تجهد نفسك لهذا الدين؟
أخي، لابد لي ولك من إسهام حقيقي لنصرة ديننا الحنيف، ولكن هذا الإسهام بقدر المستطاع الآن، والله عليك رقيب، والله المستعان، ولا تحقرن من المعروف شيئًا.


 
 توقيع : قيس





رد مع اقتباس
قديم 12-30-2012, 08:12 PM   #5


الصورة الرمزية قيس
قيس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1949
 تاريخ التسجيل :  Oct 2012
 أخر زيارة : 01-31-2014 (08:05 PM)
 المشاركات : 6,701 [ + ]
 التقييم :  71584925
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: لأمين (1) رحلة الإيمان



الأمين (5) القائد الجندي


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد وصلت رسالة الصديق إلى "أبي عبيدة" بالتنحي عن قيادة الجيش، وتسليم اللواء لـ"خالد بن الوليد" صاحب الخبرة الحربية العالية، ومازال "خالد" يقطع الصحراء، ولم يصل بعد إلى "أبي عبيدة"، وبمجرد وصوله استقبله "أبو عبيدة" بالترحيب، وسلمه لواء الجيوش، وأصبح القائد السابق جنديًّا من أطوع جنود القائد الحالي تحت إمرة "خالد بن الوليد" -رضي الله عنه-.
بدأت معركة "اليرموك" بين جيوش المسلمين وبين جيوش "الروم وقد أمر عليهم "هامانوكان "أبو عبيدة"قائدًا لأحد الجيوش في هذه المعركة، وأبلى فيها بلاء حسنًا، وأثناء التحام الجيوش والمعركة على أشدها مات "أبو بكر الصديق" -رضي الله عنه-.
وكتب "عمر" إلى أبي عبيدة -رضي الله عنه- يقول: "انتقل "أبو بكر" إلى رحمة الله، وقد أمرت بعزل "خالد بن الوليد" عن إمارة الجيوش، وعليك أنت يا "أبا عبيدة" أن تتولى الإمارة، فأبلغ "خالدًا" بما أمرت به، والسلام عليك".
لقد كان "عمر" -رضي الله عنه- حريصًا على عقيدة الناس وصلاح قلوبهم، ولذا؛ خشي أن يتعلق الناس بـ"خالد"، وتنحرف قلوبهم عن التوجه لله -تبارك وتعالى-، كما كان يخاف على "خالد" -رضي الله عنه- أن يدخله عجب أو غرور فيهلك الجيش ويهلك "خالد" -رضي الله عنه-.
لقد بلغ "خالد" في قلب "عمر" منزلة عظيمة، فقد قيل لـ"عمر": "لو عهدت يا أمير المؤمنين، قال: لو أدركت "أبا عبيدة"، ثم وليته ثم قدمت على ربي، فقال لي: لم استخلفته؟ لقلت: سمعت عبدك وخليلك يقول: (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ "أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ")(متفق عليهولو أدركت "خالد بن الوليد" ثم وليته، فقدمت على ربي لقلت: سمعت عبدك وخليلك يقول: (خالِدُ بنُ الوَلِيدِ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ الله، سَلَّهُ الله على المُشْرِكِينَ)(رواه ابن عساكر، وصححه الألباني.).
تحليل وفوائد:
1- أخي الحبيب، ما أرق هذه القلوب! وما أعمق علومها! وما أكثر تقواها وخشوعها! وما أروع تجردها لله وحبها! لقد نال خالد من مدح القوم ما نال، وهو له أهل، ها هو عمر الذي يقول فيه: "عجزت النساء أن يلدن مثل خالد"، وهذا خالد القائد المعزول يوصي عند موته بخيله وسلاحه لـ"عمر" في سيبل الله.
أرأيت كيف كان حب "عمر" لـ"خالد" وخوفه عليه؟ وكيف كان حب "خالد" لـ"عمر" -رضي الله عنه-؟ إن مثل "خالد" لا يُبكى بدمع العين، بل يُبكى بقطر الدم، إن عزل "خالد" الآن خير له ولجيش المسلمين.
2- التجرد لله من أسباب سلامة القلب، فقد استوى الأمر عند "أبي عبيدة" أن يكون جنديًّا أو قائدًا، وهذا؛ لأنه يخدم دين الله، ويعمل لله بإخلاص في أي مكان، لا يبتغي شهرة ولا سمعة.
3- أمتنا أمة ولادة لا تموت بموت القادة،وكذلك دعوتنا لا تموت بموت الدعاة، ولا تسافر بسفرهم حتى تكون دعوة ناجحة، فقد مات "الصديق" ولم تتوقف المسيرة، بل استكمل الطريقَ رفيقُهُ في الطريق "عمر بن الخطاب" -رضي الله عنه-.
4- الحرص على عقيدة الناس أهم من الانتصار في الحروب، ماذا يكسب "عمر" إذا انتصر على "الروم" وضاعت عقيدة المسلمين؟! ولذا؛ رأى أن يعزل خالدًا الذي تعلقت قلوب الجنود به حتى كادوا يظنون أن النصر مع "خالد".
5- إن ثبات العقيدة ورسوخها صورة من صور انتصار المنهج.
6- حب الدين مقدم على حب الأشخاص، ولذا؛ عزل "عمر" خالدًا؛ حفاظًا على عقيدة المسلمين.
7- الحب الحقيقي الصادق بين "عمر" و"خالد" -رضي الله عنهما-.
8- دفعك الفتنة عن صاحبك من أعظم صور الحب.


 
 توقيع : قيس





رد مع اقتباس
قديم 12-30-2012, 08:13 PM   #6


الصورة الرمزية قيس
قيس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1949
 تاريخ التسجيل :  Oct 2012
 أخر زيارة : 01-31-2014 (08:05 PM)
 المشاركات : 6,701 [ + ]
 التقييم :  71584925
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: لأمين (1) رحلة الإيمان




الأمين(6) الأمين يكتم السر


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد كان في محطتنا السابقة إصدار قرار عزل "خالد" من قيادة الجيوش، وبلغ هذا القرار "أبو عبيدة" وطلب منه الخليفة "عمر"-رضي الله عنه- أن يبلغ قرار العزل إلى "خالد"، ولم ير "عمر" في ذلك بأسًا، فالنفوس سوية تعمل لله، وكلهم إخوة في الله مخلصين ناصحين لدين الله، ولذا؛ قرر أبو عبيدة أن يؤخر إعلان الخبر ويتحمل المسئولية.
الأمين يكتم السر:
وفي هذا الموقف تجلت حكمة أمين الأمة، فقد برهن "أبو عبيدة" -رضي الله عنه- على أنه "أمين هذه الأمة" كما سماه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فاعتزم إخفاء الأمر؛ حرصًا على نصر المسلمين وفوزهم في المعارك الدائرة، وقدر "أبو عبيدة" ما سيكون لهذا الخبر من وقع سيء على معنويات الجيش.
ومن ناحية أخرى فقد كان هاجس غضب الخليفة وعصيان أمره يؤرق أمين الأمة، إلا أن مصلحة المسلمين اقتضت هذا الموقف ولو مؤقتًا، ولم يتأت ذلك من فراغ، فقد كان "أبو عبيدة" -رضي الله عنه- بعيد النظر فيما يراه، مؤمنًا بأنه سليم العقيدة والاعتقاد، لذلك؛ فقد اقتنع بأن وجود "خالد" على رأس الجيش في هذه الظروف العصيبة عامل أساسي في تحقيق النصر المرتقب -إن شاء الله-.
ومما ساعد على اقتناع "أبي عبيدة" بهذا وجوده وسط الميدان واطلاعه عن قرب بالموقف العسكري هناك، ووقع أي أخبار سيئة على الجنود، وانتهى به الأمر إلى كتمان هذا السر، وجعل خبر عزل "خالد" في طي الكتمان حتى يجيء وقته المناسب.
وخاضت جيوش المسلمين معارك الفتح العظيم في "اليرموك" تحت قيادة "خالد بن الوليد" وبإمرته أربعة من القادة العظام هم: "عمرو بن العاص"، و"يزيد بن أبي سفيان"، و"شرحبيل بن حسنة"، و"أبو عبيدة بن الجراح" -رضي الله عنهم أجمعين-.
وكان النصر حليف المسلمين، فقد قاتل المسلمون ببراعة شديدة، فزحف "خالد" -رضي الله عنه- حتى تصافحوا بالسيوف، ونهض "خالد" -رضوان الله عليه- للروم ونادى في المسلمين: "من يبايع على الموت؟".
فبايعه "الحارث بن هشام"، و"ضرار بن الأزور" -رضي الله عنهما- في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، مما أشعل الحماسة في كتائب الجيش كله فنشب القتال عنيفًا، وفي ذلك اليوم العظيم أبلى المسلمون وفرسانهم بلاء حسنًا، وقاتلوا قتالاً رائعًا، حتى النساء كان لهن نصيب، يقمن بسقي الجند ومداواة الجرحى.
وأصيب من وجوه المسلمين ثلاثة آلاف، قُـتلـوا جميـعًا إلا مـن برأ منهـم، واستشهد ممن استشهد يوم "اليرموك": عكرمة ابن أبي جهل وابنه عمرو بن عكرمة –رضي الله عنهما- فجعل خالد يمسح وجوههما ويقطر الماء في حلقهما.
وانتهت المعركة بنصر مظفر للمسلمين، ولكن "خالدًا" لم يهدأ له بال فقد اتجه فكره وجهده إلى فتح "دمشق"، وهي آخر حصن للروم في "الشام"، كما أنها عاصمتهم، وكان لابد من التشاور بين القادة.
ظل "أبو عبيدة" كاتمًا للسر إلى أن يشاء الله...
فوائد وتحليل:
1- مصلحة الأمة مقدمة على مصلحة الفرد، فقد كان بوسع "أبي عبيدة" أن يعزل "خالدًا" فور وصول الرسالة ويتولى هو قيادة الجيش ولكنه نظر لمصلحة الجيش ومستقبله؛ لأنه يعمل عملاً جماعيًّا يقدم فيه مصلحة المجموع على مصلحة الفرد.
2- عدم تطلع الصحابة للزعامة، فلم يلهث "أبو عبيدة"؛ لتنفيذ القرار وتولي الأمر.


 
 توقيع : قيس





رد مع اقتباس
قديم 12-30-2012, 08:14 PM   #7


الصورة الرمزية قيس
قيس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1949
 تاريخ التسجيل :  Oct 2012
 أخر زيارة : 01-31-2014 (08:05 PM)
 المشاركات : 6,701 [ + ]
 التقييم :  71584925
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: لأمين (1) رحلة الإيمان



الأمين (7) فتح دمشق


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد وصلنا في محطتنا السابقة إلى تلك الصور الرائعة للخطط الحربية التي نفذها "خالد بن الوليد" -رضي الله عنه-، ثم همته العالية؛ لتتبع "الروم" في عقر دارهم وآخر معاقلهم، وكان لابد من التشاور.
في غرفة القيادة:
وبعد مشاورة الرجال وقادة الجيوش وضع "خالد بن الوليد" خطته الرائعة لمهاجمة مدينة "دمشق"، ولا شك أن كل هذه الخطط الرائعة والروح العالية لقائد جيش المسلمين جعلت "أبا عبيدة" يتروى في إبلاغ قرار العزل.
وانفض الاجتماع، واتفق القائدان على أن يهاجم المدينة "أبو عبيدة" من الجانب الشرقي، وهو جانب مفتوح، وأن يهاجمها "خالد" من الجانب الغربي، وهو الجانب المحصن.
ونفـَّذ القائد الفذ خطته بإحكام، فتسلَّق الجنود سور المدينة من الجانب الغربي، كما دخلها "أبو عبيدة" من الجانب الشرقي، والتقى الرجلان في ضواحي "دمشق"، وهنأ "أبو عبيدة" خالدًا بالنصر، فحمد الله وأثنى عليه، وشكر نعمته وفضله.
وحان وقت الرسالة:
وحان وقت الرسالة، وتذكر "أبو عبيدة" أن الوقت أصبح مناسبًا لإبلاغ "خالد" -رضي الله عنه- بأخبار العزل، فتحيـَّن الوقت المناسب فتوجه إلى خيمة "خالد بن الوليد"، وألقى عليه سلام الأخوة، ثم أردف "أبو عبيدة" قائلاً: "هناك سر ما كنت لأفضي إليك به؛ لولا أنه أمر من أمير المؤمنين، وقد بايعنا على الطاعة، ومن يؤمره علينا -أيضًا- فله منا الطاعة.
فقال "خالد": هاتِ سرَّك يا "أبا عبيدة".
قال "أبو عبيدة": أرسلك "أبو بكر" أميرًا للجيوش في بحر "الروم" بدلاً مني، وقد كان اختيارًا موفقًا رائعًا، وقد مات أبو بكر وتولى بعده "عمر بن الخطاب".
فقال "خالد": يرحم الله "أبا بكر"، فقد كان أحب الناس إلي، والحمد لله الذي ولى "عمر".
ثم سكت "أبو عبيدة".
فقال: وماذا بعدُ يا "أبا عبيدة"؟
فأجاب "أبو عبيدة" قائلاً: بعد أن تولى "عمر" خلافة المسلمين كتب إلي كتابًا يأمرني فيه أن أعزلك عن إمارة الجيوش، وأن أتولاها مكانك.
فقال "خالد": يرحمك الله يا "أبا عبيدة"، ولِمَ لَمْ تخبرني حالما وصلك كتاب أمير المؤمنين "عمر بن الخطاب"؟!
فقال "أبو عبيدة": لقد خشيت على خططك في الحرب، وخفت أن أفسدها، وقد انتصرنا بفضل الله ثم بفضل ذكائك وخبرتك في القتال.
قال خالد: جزاك الله عني خيرًا، واعلم يا "أبا عبيدة" أني جندي من جنودك، ويتساوى الأمر لدي سواء أكنتُ أميرًا للجيوش أو جنديًّا فيها، ووالله ما للدنيا نعمل، ولا سلطان الدنيا نريد، كلنا في الله إخوة. وأضاف خالد قائلاً: "أنا لا أقاتل من أجل عمر".
رحم الله "أبا عبيدة" فقد كان مثالًا للإيثار، وقدوة عظيمة، ورضي الله عن "خالد" فقد كان مثالاً للشجاعة والتواضع، وقدوةً طيبةً لكل جندي من جنود المسلمين، ورضي الله عنهما فقد قدَّما درسًا لكل قادة المسلمين في كل زمان ومكان.
وتوجَّه "أبو عبيدة" لفتح "فلسطين".
تحليل وفوائد:
1- التجرد لله من أسباب سلامة القلوب:
لقد استوى الأمر عند "أبي عبيدة" أن يكون جنديًّا أو قائدًا، كما استوى كذلك عند "خالد" -رضي الله عنهما-، وما ذاك إلا لأن قلوبهم مخلصة لله تعمل لدين الله.
2- خالد -رضي الله عنه- يضرب أروع مثال في الجندية:
"جزاك الله عني خيرًا، واعلم يا أبا عبيدة أني جندي من جنودك، ويتساوى الأمر لدي سواء أكنت أميرًا للجيوش أو جنديًّا فيها..".
3- كلمات الإخلاص والتجرد أثمن من الذهب:
"ووالله ما للدنيا نعمل، ولا سلطان الدنيا نريد، كلنا في الله إخوة"، "أنا لا أقاتل من أجل عمر".
أخي الحبيب، ليكن عملك لله -تعالى- لدينك.. لدعوتك.. لعقيدتك.. وتذكر -دائمًا- قول خالد -رضي الله عنه- وأنت تعمل: "أنا لا أقاتل من أجل عمر".
يجب ألا يتعلق العمل بالأشخاص، ولا أن يكون العمل للأشخاص أو الأحزاب، فما كان لله دام واتصل، وقل لنفسك: "أنا لا أعمل من أجل فلان"، واصبر واحتسب.


 
 توقيع : قيس





رد مع اقتباس
قديم 12-30-2012, 08:15 PM   #8


الصورة الرمزية قيس
قيس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1949
 تاريخ التسجيل :  Oct 2012
 أخر زيارة : 01-31-2014 (08:05 PM)
 المشاركات : 6,701 [ + ]
 التقييم :  71584925
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: لأمين (1) رحلة الإيمان



الأمين(8) فتح فلسطين


ماض مشرق .. وحاضر محرق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد وصلنا في محطتنا السابقة إلى لقاء القائدين العظيمين الصادقين: "أبي عبيدة بن الجراح"، و"خالد بن الوليد" ثم استلام "أبي عبيدة" قيادة الجيش من جديد، ويعود "خالد" ليكون تحت إمرة "أبي عبيدة" -رضي الله عنه- في "فتح فلسطين".
وانطلق "أبو عبيدة" متوجهًا إلى "فلسطين"، وحاصر "بيت المقدس"، ثم طلب من الحاكم أن يستسلم دون قتال، وبعد وقت قصير وافق أهل مدينة "القدس" على دخول المسلمين مدينتهم على أن يعقد المسلمون معهم معاهدة أمن وسلام تضمن لهم حقوقهم المدنية والدينية بعد الفتح.
وافق "أبو عبيدة" -رضي الله عنه- على الصلح إلا أن أهل المدينة اشترطوا أن يكون الصلح بينهم وبين أمير المؤمنين "عمر ابن الخطاب" -رضي الله عنه- شخصيًّا؛ لما عرف عن "عمر"-رضي الله عنه- من عدل وزهد، وتمسك بالحق، عند ذلك كتب "أبو عبيدة" -رضي الله عنه- كتابًا إلى أمير المؤمنين يعرض عليه شرط أهالي "القدس" ودعوتهم له بالحضور لفتح "القدس"، وكتابة اتفاقية الصلح والأمان.
عمر يقبل الدعوة:
وقبل "عمر" الدعوة وغادر "المدينة" مع نفر من أصحابه قاصدين "بيت المقدس"، وهناك استقبله "أبو عبيدة" قائد الجيوش، وقد وصل "عمر" راكبًا جملًا مرتديًا جلبابًا مرقعًا، وفي رجليه نعل سميك دون غطاء يمسك رجليه بسيور وخيوط من الجلد الغليظ، واستقبل "عمر" عند قرية "الجابية" القريبة من "دمشق" رجال القيادة في الجيش ووجهاء "الشام"، وقد خرجوا على ظهور الخيل يرتدون الملابس الفاخرة.
فلما رآهم "عمر" -رضي الله عنه- على هذه الحال قال: "أهكذا تقابلون أمير المؤمنين وأنتم في ترف الأعاجم وأبهتهم؟! لقد أفسدتكم الفتوحات، وأفقدكم المال مظاهر المسلمين، وغير نفوسكم ما أنتم فيه من ترف ونعيم، لقد نسيتم عفة الإسلام، وغفلتم عن اتباع سنة نبيكم الكريم -صلى الله عليه وسلم-"، ثم أشاح عنهم غاضبًا.
تحليل وفوائد:
1- تواضع القائد:
فقد وصل "عمر" راكبًا جملًا مرتديًا جلبابًا مرقعًا وفي رجليه نعل سميك.
2- حرص القائد على وضوح الهوية الإسلامية:
فقد عاب "عمر" على رجال جيشه أن يظهروا أمامه متشبهين في زيهم بالأعاجم، فقال "أهكذا تقابلون أمير المؤمنين وأنتم في ترف الأعاجم وأبهتهم؟! لقد أفسدتكم الفتوحات، وأفقدكم المال مظاهر المسلمين".


 
 توقيع : قيس





رد مع اقتباس
قديم 12-30-2012, 08:16 PM   #9


الصورة الرمزية قيس
قيس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1949
 تاريخ التسجيل :  Oct 2012
 أخر زيارة : 01-31-2014 (08:05 PM)
 المشاركات : 6,701 [ + ]
 التقييم :  71584925
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: لأمين (1) رحلة الإيمان



الأمين (9) الفاروق في طريقه إلى القدس


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد وصلنا في محطتنا السابقة إلى هذا اللقاء الذي أزعج "عمر" -رضي الله عنه-، وذلك عندما رأى مظاهر الترف على جنده حينما استقبلوه على مشارف "القدس"، فأشاح عنهم بوجهه وانطلق إلى غايته.
"عمر" في طريقه إلى "القدس":
وصل "عمر" في كوكبة من أصحابه وقادة جيشه إلي "القدس"، وعندما اقترب من المدينة أشار عليه بعض أصحابه قائلاً: "اترك جملك هذا يا أمير المؤمنين واركب حصانًا؛ إذ لا يليق أن يراك البطرك والقساوسة على حالة أعرابي قادم من قلب الصحراء"، فركب "عمر" بضع خطوات ثم صاح قائلاً: "أنزلوني وهاتوا جملي"، فلما سأله الناس عن سبب ذلك قال: "إن الحصان يرقص في مشيته" –أي: يختال-.
ويضرب "عمر" المثل تلو المثل لأصحابه فيكون قدوة طيبة لا ترغب في نعيم الدنيا، فبين يديه السلطان والجاه، ولكنه يتعفف عنه ويبين للناس أنه: "لا شيء له اعتبار غير العمل الصالح وتقوى الله".
وفي الطريق مر "عمر" على مخاضة فخلع نعليه وخاضها، فقال له أبو عبيدة: "ما أود أن يراك الناس هكذا"، فقال عمر: "أواه لو قالها غيرك يا أبا عبيدة؛ لجعلته نكالاً لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم-"، ثم أردف قائلاً: "إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما طلبنا العزة بغير ما أعزنا الله به؛ أذلنا الله".
نعم.. لا شيء له اعتبار غير العمل الصالح وتقوى الله.
نعم.. إن عزة المسلمين تكمن في تمسكهم بدينهم.
"عمر" في ضيافة "أبي عبيدة":
ويستضيف "أبو عبيدة" عمر في بيته تلبية لرغبة "عمر"، فلما دخل داره لم يجد فيها إلا فراشًا متواضعًا، وسيفه يزين الجدار، وقربة بها ماء يشرب منه ويتوضأ للصلاة، فابتسم عمر قائلاً "ألم تتخذ لنفسك أثاثًا غير ما أرى"، قال أبو عبيدة -رضي الله عنه-: "ما بي حاجة إلى غير ما ترى يا أمير المؤمنين، هذا يبلغنا المقيل" -الجنة-، فقال عمر متعجبًا: "كلهم غيرتهم الدنيا إلا أنت يا أبا عبيدة".
مسجد "عمر":
ودخل عمر "القدس"، وكتب عقد الأمانة مع البطرك متعهدًا فيه بالحفاظ على تراث المدينة وكنائسها وحقوق أهل المدينة، ودخل "عمر" كنيسة القيامة وحان وقت صلاة الظهر، فقال عمر: "أريد أن أصلي"، فقال البطرك: "صلِ هنا يا أمير المؤمنين"، فقال عمر: "لا أصلي في الكنيسة أبدًا لو صليت فيها جاء المسلمون بعدي وصلوا فيها، وقالوا: "هنا صلى عمر ابن الخطاب وجعلوها مسجدًا"، ثم قال للبطرك بعد أن صلى خارج الكنيسة: "دلني على مكان يبني فيه المسلمون مسجدًا"، فقال البطرك: "فوق صخرة يعقوب".
وبنى المسلمون مسجدًا وسموه: "مسجد عمر"، وعاد عمر إلى المدينة وقد حمد الله وشكر نعمائه على هذا النصر العظيم.
تحليل وفوائد:
1- لا شيء له اعتبار غير تقوى الله والعمل الصالح:
ما أعظم أن نردد هذا الشعار النبوي ونعمل به: (إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ) (رواه مسلم).
2- إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام:
فمن أراد العزة والكرامة ورفع الراية؛ فعليه بالإسلام، هيا بنا نعيش بالإسلام وللإسلام، وحينئذ نرتقب النصر -إن شاء الله-، "إن عزة المسلمين تكمن في تمسكهم بدينهم".
3- زهد الصحابة:
ومع كثرة المال في أيدي الصحابة لم يتخذ "أبو عبيدة" لنفسه أثاثًا في بيته غير قربة ماء وفراشًا متواضعًا، وسيفه الذي يزين الجدار، لم يهتم "أبو عبيدة" بزخرف الدنيا وزينتها، ولم تدخل الدنيا قلبه رغم أنها كانت في يده، ولذا؛ قال عمر -رضي الله عنه- متعجبًا: "كلهم غيرتهم الدنيا إلا أنت يا أبا عبيدة".


 
 توقيع : قيس





رد مع اقتباس
قديم 12-30-2012, 08:16 PM   #10


الصورة الرمزية قيس
قيس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1949
 تاريخ التسجيل :  Oct 2012
 أخر زيارة : 01-31-2014 (08:05 PM)
 المشاركات : 6,701 [ + ]
 التقييم :  71584925
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: لأمين (1) رحلة الإيمان




لأمين (10) فـَتـْحُ اللاذقِيَّة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد وصلنا في المحطة السابقة إلى استلام "عمر بن الخطاب" مفاتيح "بيت المقدس"، وصلاته في بقعة من الأرض بُني عليها بعد ذلك مسجدٌ سمَّاه الناس: "مسجد عمر"-رضي الله عنه-.
ولا زالت جيوش المسلمين الشامخة تتطلع لفتح العالم ونشر الدين الحنيف، وفي بلاد "الشام" واصل "أبو عبيدة" فتوحاته العظيمة، وقد أصبح قائدًا لجيش الفتح الإسلامي فتوجه إلى "اللاذقية"، وكانت ذات حصون منيعة يأتيها خيرٌ وافرٌ عن طريق البحر، ولها القدرة على تحمل الحصار، ولما اقترب جيش المسلمين منها؛ أُغلقت أبوابها، وظل جيش المسلمين يحاصر "اللاذقية" ولكن دون جدوى؛ لمناعة الحصون، وقفل الأبواب، وارتفاع الأسوار وعلوها.
وفي ليلة فكر "أبو عبيدة" أن يزيل آثار الحصار ويختبئ هو وجنوده في حفر عميقة تحمي الفارس وفرسه؛ حتى يظن الروم أن المسلمين قد تركوا حصارهم للمدينة ومضوا، وقد نجحت الخطة، فما إن أصبح اليوم التالي حتى استيقظ جند الروم ولم يجدوا للمسلمين أثرًا حول المدينة ففتحوا الأبواب، وانطلقوا إلى حقولهم وأعمالهم، وفي لحظات هب جند المسلمين من مخابئهم وانطلقوا نحو الأبواب والأسوار، واقتحموا المدينة فكانت مفاجأة أسقط على إثرها في أيدي الرومان فأعلنوا استسلامهم.
وأعلن التاريخ لحظة ناجحة لقائد ناجح وجنود مخلصين لعقيدتهم ودينهم الحنيف، وانطلق "أبو عبيدة" من موقع إلى موقع، ومن ثغر إلى ثغر، يفتح حصنًا ويتسوَّر أسوار الجاهلية، حتى أضاء بلاد "الشام" بالنور العظيم، ولم يفتح بلادهم فقط، وإنما فتح العيون والقلوب والبصائر على مواضع الهداية وشرائع الحق التي ملأت الأرض عدلاً وداست الجاهلية والشرك بأقدامها، وسَعِدَ أهلُ البلاد المفتوحة بعدل الجند الفاتحين وقادتهم، ومتـَّعوا أنفسهم وذويهم بالدخول في دين الله أفواجًا.
فوائد وتحليل:
حرص الصحابة على نشر الهدى ودين الحق، ويجب عليك -أخي الحبيب- أن تشارك وتُصر على نشر الحق، ولا تقصر في الدعوة إلى الله.


 
 توقيع : قيس





رد مع اقتباس
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



Loading...


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2024 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
SEO by vBSEO sh22r.com